الجنوب أمام فرصة مليارية… فهل يبددها السلاح؟

هناك فكرة يجري إعدادها للبنان تختلف جذريًا عن كل ما اعتاده الجنوب منذ عقود: بدل إعادة إعمار ما تهدّم بعد كل حرب، لماذا لا يتحوّل الجنوب نفسه إلى منطقة استثمار ونمو وتجارة تربط لبنان بالمنطقة والعالم؟

دراسة قيد الإعداد حول إنشاء «منطقة السلام الاقتصادي» في جنوب لبنان تتحدّث عن استثمارات وتنمية مستدامة ومرافئ ومناطق لوجستية وسكك حديد، وعن إمكان ربط الجنوب بممرّ IMEC الذي يصل الهند بالشرق الأوسط وأوروبا.

وهذه الأفكار لا تأتي من فراغ. لبنان يبحث رسميًا منذ أشهر إمكان الانخراط في IMEC، وقد أطلقت الحكومة دراسة استراتيجية حول تكامل النقل والطاقة والتجارة مع دول الجوار، فيما سبق أن طُرحت أميركيًا وخليجيًا فكرة منطقة اقتصادية في الجنوب توفّر الاستثمار وفرص العمل.

لكن كل هذه الخطط تصطدم بسؤال واحد لا تستطيع أي دراسة اقتصادية تجاهله:

من يستثمر مليارات الدولارات في منطقة لا تملك الدولة وحدها قرار الحرب فيها؟

يمكن رسم أفضل المرافئ وأحدث خطوط السكك الحديدية، ويمكن إعداد مناطق صناعية ولوجستية ووضع الجنوب على خريطة التجارة الدولية. لكن المستثمر الذي يضع أمواله لعشرات السنوات يريد أن يعرف أولًا أن المصنع الذي يبنيه اليوم لن يصبح غدًا على خط جبهة، وأن المرفأ لن يتوقّف بقرار عسكري لا تملكه الحكومة، وأن الدولة هي المرجعية الوحيدة للأمن والحرب والسلم.

وهنا تتغيّر المعادلة.

لسنوات قُدّم السلاح على أنه ضرورة لحماية الجنوب. لكن ماذا لو أصبح هذا السلاح نفسه أحد أكبر العوائق أمام مستقبل الجنوب؟

الجنوب يمتلك موقعًا جغرافيًا يمكن أن يحوّله من ساحة صراع إلى بوابة اقتصادية. والمطروح اليوم ليس وعدًا مؤكّدًا بمليارات جاهزة، بل فرصة حقيقية تحتاج إلى شروط كي تتحوّل من دراسة إلى مشروع.

وأول هذه الشروط دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار واحد.

فلا يمكن بناء اقتصاد سلام فوق بنية حرب دائمة.

والخيار الذي سيواجه الجنوب في السنوات المقبلة قد يكون أبسط مما يبدو: أن يبقى موقعه مهمًا لأنه جبهة، أو أن يصبح مهمًا لأنه مركز للاستثمار والتجارة والفرص.

السلاح يستطيع أن يبقي الجنوب في قلب الصراع.

أما الدولة وحدها، فتستطيع أن تضعه في قلب الاقتصاد.