مفاوضات تمبا: بداية معركة التنفيذ

جوزيف بوهيا

لم تعد عقدة المسار اللبناني–الإسرائيلي في غياب صيغة للحل. اتفاق الإطار وضع معادلة تقوم على استعادة الدولة اللبنانية سلطتها وحصر السلاح، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، ضمن خطوات متبادلة وآلية تحقق. لكن الأشهر التي تلت أظهرت أن الخلاف الحقيقي يبدأ حيث ينتهي النص: من ينفذ أولًا، وما الذي يُعتبر تنفيذًا كافيًا ليستحق خطوة مقابلة؟

من هنا يمكن قراءة الانتقال من روما إلى باريس وواشنطن، وصولًا إلى الاجتماع العسكري المحتمل في فلوريدا، كتحول محتمل في طبيعة العملية نفسها. فبعدما تعذر سياسيًا الاتفاق على ترتيب الخطوات، يبدو أن واشنطن تحاول نقل النقاش إلى مستوى تنفيذي، بحيث تدفع الوقائع الميدانية التفاوض بدل انتظار تسوية سياسية شاملة.

في روما ظهرت المشكلة بوضوح. كان يفترض بالمناطق التجريبية أن تجزّئ الأزمة: يتقدم الجيش، يجري التحقق من خلو منطقة محددة من السلاح والبنية العسكرية غير الشرعية، وتتخذ إسرائيل خطوة مقابلة. وطُرحت زوطر الغربية وصريفا وفرون ضمن المرحلة الأولى، لكن التجربة اصطدمت بالخلاف على ترتيب الخطوات وآلية التحقق، فيما استمرت العمليات الإسرائيلية في محيط المناطق المطروحة.

بعد روما حاول لبنان تقوية العنصر الذي يفترض أن يحمل الاتفاق على الأرض: الجيش. لذلك جاءت باريس لتوفير القدرة والغطاء الدوليين للتنفيذ. غير أن الدول المدعوة إلى دعم المؤسسة العسكرية أرادت بدورها معرفة طبيعة المهمة، وخطة الانتشار، وما يستطيع الجيش إنجازه. وهكذا انتقل النقاش من حاجات الجيش إلى قدرته على تنفيذ المهمة، فيما بقيت واشنطن الجهة الأقدر على وصل الأداء اللبناني بالخطوة الإسرائيلية المقابلة.

لقاءات نواف سلام الأميركية كرّست هذا الاتجاه. فلبنان طالب بترجمة التبادلية والتدرج إلى نتائج ملموسة ضمن جدول وآلية تحقق، فيما أعادت واشنطن التأكيد أن المسار يمر بتنفيذ اتفاق الإطار. لم يعد الخلاف إذًا على مبدأ التبادلية، بل على تحويله إلى خطوات تمنع كل طرف من استخدام الآخر ذريعة لتعليق التزاماته.

لكن هذه القراءة تبقى ناقصة من دون حزب الله. فالحزب عامل داخلي حاسم في قدرة الدولة على تنفيذ أي نموذج يُتفق عليه. وقد ظهرت المشكلة في تلة علي الطاهر الاستراتيجية شمال الليطاني، حيث أفاد مصدر دبلوماسي غربي بأن الجيش كان قد اقترح تسلّم الموقع فرفض الحزب، قبل أن تتضارب لاحقًا الروايات حول عرض من الحزب للانسحاب منه ورفض إسرائيل. ومهما يكن من تضارب في الروايات اللاحقة، كشفت الواقعة المعضلة الأساسية: الاتفاق على منطقة تتولاها الدولة لا يكفي إذا لم تكن قادرة على ضمان تسلّمها.

وهنا تقع مسؤولية بيروت قبل أي اجتماع جديد. إذا أرادت الاحتفاظ بالمبادرة، فعليها أن تصل بورقة لبنانية جاهزة: المنطقة التالية، خريطة انتشار الجيش، مهلة لإزالة السلاح والبنية العسكرية غير الشرعية، آلية تحقق تقبل بها الدولة، والخطوة الإسرائيلية المطلوبة فور إنجاز كل مرحلة. والأهم أن تحسم الحكومة قدرتها على تنفيذ قرارها إذا رفض حزب الله، لأن الاتفاق على ما لا تستطيع الدولة تطبيقه لن ينتج سيادة مهما كانت صياغته دقيقة.

في المقابل، لا تدخل إسرائيل المسار بحسابات أمنية فقط. فالانتخابات مقررة في 27 تشرين الأول، ما يجعل أي اجتماع محتمل في فلوريدا قريبًا من استحقاق شديد الحساسية للملف الأمني. في هذا التوقيت يصبح الانسحاب الواسع أكثر كلفة سياسيًا، بينما يمكن تقديم خطوة محدودة ومشروطة بالتحقق باعتبارها ترتيبًا أمنيًا تحصل إسرائيل مقابله على ضمانة ملموسة. لذلك قد يبعد العامل الانتخابي التسوية الكبرى، من دون أن يمنع تفاهمًا محدودًا يستطيع المستوى السياسي الإسرائيلي الدفاع عنه داخليًا.

من هنا تكتسب فلوريدا دلالتها. فالمعلومات المنشورة تتحدث عن فصل الشق العسكري عن السياسي، مع انتقال العسكريين إلى الولايات المتحدة وبقاء السياسي في روما. وهذا يتيح حصر النقاش العسكري في الخرائط والانتشار والمهل وآليات التحقق، من دون تحميله منذ البداية ثقل الملفات السياسية الكبرى. لكنه يحمل مخاطرة مقابلة: أن تنتج الطاولة العسكرية ترتيبات ميدانية تتحول لاحقًا إلى أمر واقع يضيّق هامش التفاوض السياسي اللبناني. لذلك لا تكمن مصلحة لبنان في رفض المسار العسكري، بل في دخوله بتصور سياسي وعسكري مكتمل.

وقد تكون النتيجة الواقعية نموذجًا محدودًا: منطقة يتسلمها الجيش، التزام لبناني محدد، تحقق من تنفيذه، ثم انسحاب أو إجراء إسرائيلي مقابل قبل الانتقال إلى منطقة أخرى. عندها تتحول التبادلية من عنوان واسع إلى سلسلة التزامات يمكن تحديد من نفذها ومن عطلها.

وهنا يكمن الامتحان اللبناني. فإذا وصل لبنان إلى تمبا بخطة تنفيذ وقرار سياسي يسمح للجيش بتطبيقها، يستطيع استخدام المسار لاستعادة الأرض وسلطة الدولة معًا. أما إذا بقي نصف المعادلة اللبنانية معلقًا على تفاهم داخلي لم يحصل، فلن تكون المشكلة في نقص الخرائط أو الوسطاء، بل في غياب القرار القادر على تحويل أي اتفاق إلى واقع.

فالوقت يضغط على الجميع، وخصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، لكنه لا يتحول إلى ورقة تفاوضية لمن لا يملك القدرة على التنفيذ. ومن لا يضع خريطة التنفيذ، قد يجد نفسه مضطرًا إلى السير في خريطة يضعها الآخرون.