من طهران إلى بيروت وبغداد… من يملك حق تعطيل السلام؟

جوزيف بوهيا
تستطيع الحكومات أن تتفاوض، لكن قدرتها على صنع السلام تبقى ناقصة ما لم تملك إلزام السلاح بنتائج التفاوض. هذه هي المعضلة التي تصل طهران ببيروت وبغداد: مؤسسات تُسأل عن الاقتصاد والاستقرار وعلاقات البلاد، وقوى عسكرية تستطيع فرض خيارات تتجاوز قدرة تلك المؤسسات على ضبطها. وعندما تنفصل مسؤولية الحكم عن سلطة استخدام القوة، تصبح التسوية رهينة موافقة من يستطيع نقضها.

في قلب هذه المعضلة يقف الحرس الثوري، بموقعه داخل النظام الإيراني وعلاقاته العسكرية خارج الحدود. تختلف البنى القانونية والحسابات المحلية، لكن السؤال يتكرر: هل تخضع القوة المسلحة للمصلحة الوطنية كما تحددها المؤسسات، أم تحتفظ بمرجعية تسمح لها بفرض خياراتها على الدولة والمجتمع؟

في إيران، تجاوز الخلاف تفاوت النبرة بين السياسيين والعسكريين. فبينما أعلن بزشكيان السعي إلى إنجاح الاتفاق مع واشنطن، نقل تقرير لـ«نيويورك تايمز» في ١٣ أيلول، استناداً إلى مسؤولين إيرانيين وأعضاء في الحرس، اعتراضه لدى قائد الحرس على عمليات اعتبرها متهورة، وتحذيره وقاليباف من مسار يجر البلاد إلى ضربات أشد وضغط اقتصادي أكثر تدميراً. وظهر التباين علناً حين ردّ المسؤول السياسي في الحرس، يد الله جواني، على تساؤلات نائب الرئيس بشأن كلفة التخصيب والحرب، منتقداً الربط بين التنازلات وتجنب المواجهة.

هذه اعتراضات من داخل النظام على كلفة خياراته وحدود احتمالها، وليست دليلاً على خروج أصحابها عليه. لكنها تكشف معضلة تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية، وتتزامن مع غموض يحيط بمركز القرار. فقد ربطت رويترز، في تقرير بتاريخ ٢٨ آب، الحرب بتنامي نفوذ الحرس، مع استمرار غياب مجتبى خامنئي عن الظهور العلني، ونقلت في المقابل تأكيد مصادر إيرانية احتفاظه بالكلمة الأخيرة. الغياب عن العلن لا يثبت الغياب عن القرار، لكنه يصعّب التحقق ممن يقرّر ومن يتحدث باسمه.

وأصل المشكلة مؤسسي: الدستور يمنح مقام المرشد القيادة العليا للقوات المسلحة وقرار الحرب والسلم، خارج سلطة الرئيس المباشرة. لذلك تتحمل الحكومة نتائج خيارات لا تنفرد بالتحكم بها. ولا يكفي اعتدال الرئاسة إذا بقي تنفيذ التزاماتها مرهوناً بمراكز قوة تتجاوز صلاحياتها.

في لبنان، تتخذ المعضلة شكلاً مختلفاً. يعلن جوزاف عون هدف حصر السلاح بيد الدولة، ويطرح تحقيقه من دون مواجهة داخلية، فيما يستمر حزب الله في رفض نزع سلاحه. تصبح الدولة مطالبة بالتقدم، بينما يبقى تنفيذ أحد أهم قراراتها مرتبطاً بموافقة الطرف المطلوب إنهاء استقلاله العسكري.

لكن العلاقة مع إيران تجعل الأمر أبعد من نزاع داخلي على الصلاحيات. فقد نقل تحقيق لرويترز في ٢١ آذار مشاركة ضباط الحرس في إعادة بناء قيادة الحزب ووضع خطط قتالية، وعن مصدر تولّي الحرس الإشراف المباشر على جناحه العسكري. وفي اليوم التالي، قال رئيس الحكومة نواف سلام إن الحرس الثوري موجود في لبنان ويقود عمليات عسكرية. بذلك تستند مناقشة التدخل الإيراني إلى معطيات عن القيادة والتخطيط، تتجاوز التمويل والتسليح.

لبنانية المقاتلين والقاعدة الاجتماعية لا تحسم، إذاً، لبنانية القرار العسكري. المعيار هو الجهة التي تستطيع الأمر باستخدام السلاح، أو منع استخدامه، أو محاسبة من يخالف قرارها. وما دام للدولة شريك مسلح لا تستطيع إلزامه، فإنها لا تحتكر قرار الحرب والسلم، مهما اتسع حضورها الدبلوماسي.

أما العراق، فيكشف حدود حلّ آخر: منح التشكيلات المسلحة صفة رسمية مع بقاء استقلالها الفعلي. فالحشد الشعبي إطار مؤسسي يضم قوى متفاوتة في مرجعياتها، ولا يصح اختزاله كله في ولاء واحد. لكن تقارير عن رفض فصائل مرتبطة بإيران نقل التحكم بسلاحها إلى السلطة الرسمية تظهر أن الانتساب إلى الدولة لا يساوي تلقائياً الخضوع لقيادتها.

وتبرز الصلة الخارجية بصورة أوضح في تحقيق رويترز المنشور في حزيران، الذي نقل عن مصادر أن الحرس أنشأ خلايا عراقية سرية تتلقى أوامره مباشرة لتنفيذ هجمات على دول خليجية. يبيّن هذا المثال كيف يمكن لشبكة عسكرية أن تجعل بلداً يتحمل تبعات إقليمية لعمليات لم تتخذ مؤسساته قرارها.

والدرس للبنان مباشر: لا تُحل ازدواجية السلاح بتغيير الصفة القانونية لحامليه. أي دمج يُبقي القيادة الحزبية والارتباط العملياتي الخارجي ينقل الازدواجية إلى داخل المؤسسة. أما الدمج الفعلي فينهي سلسلة الأوامر المستقلة، ويُخضع الأفراد والسلاح والتمويل لقيادة واحدة وقواعد واحدة ومساءلة واحدة.

تلتقي الحالات الثلاث عند قدرة القوة المسلحة على تقييد الخيارات السياسية، من دون أن يعني ذلك صدور أمر إيراني بكل تحرك أو غياب المصالح المحلية. ومن هنا يصبح الخلاف على التسوية خلافاً على توزيع السلطة بعدها: الهدنة التي تحفظ للفصيل حق استئناف القتال تُبقي امتيازه، بينما التسوية التي تنقل القرار إلى الدولة تنهيه. لذلك يُقاس النجاح بانتقال السلطة إلى المؤسسات، لا بصمت الجبهات وحده؛ فقد تتوقف الحرب وتبقى البنية التي تسمح بتجددها.

يقود ذلك إلى ضرورة تغيير بنيوي في إيران. فالمشكلة لا تُختزل في قائد متشدد يمكن استبداله بآخر أكثر مرونة؛ إنها تتعلق بترتيب يمنح القوة العسكرية العقائدية نفوذاً لا تستطيع الحكومة المنتخبة إخضاعه لمساءلتها. والموقف الذي تدعمه هذه القراءة هو إنهاء الحرس بوصفه مركز قوة مستقلاً، وتفكيك أدوات تدخله الخارجي، ضمن انتقال يوحّد القوات المسلحة تحت سلطة مدنية دستورية. وإذا كانت بنية النظام تحمي هذا الاستقلال، فإن تغييرها يصبح جزءاً من الحل.

لكن استعادة الدولة في لبنان والعراق لا يجوز أن تنتظر التغيير الإيراني. فالفصائل تمتلك أيضاً مصالح وشبكات محلية، وقد تستمر قدرتها على التعطيل حتى مع انحسار الدعم الخارجي. لذلك يتطلب الحل مسارين متزامنين: وقف التدخل العسكري العابر للحدود، وإنهاء استقلال السلاح داخل كل دولة.

في لبنان، يعني ذلك نزع سلاح حزب الله وتفكيك قيادته العسكرية والأمنية المستقلة، مع بقاء العمل السياسي ضمن القانون. وفي العراق، يعني إخضاع جميع التشكيلات فعلياً للقيادة الوطنية وإنهاء البنى الرافضة لذلك. ولا يلغي هذا المطلب واجب مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية؛ بل يجعل الدفاع عن البلد مسؤولية مؤسساته القابلة للمحاسبة.

أما التنفيذ، فيحتاج إلى مراحل معلنة، وتسليم قابل للتحقق، وضبط المخازن والتمويل، ومحاسبة المخالفين، مع حفظ المؤسسات ومنع الفراغ الأمني. التدرّج هنا وسيلة لإنجاز القرار، لا باب لإعادة التفاوض عليه. واحتكار الدولة للقوة يجب أن يقترن بخضوع هذه القوة للقانون؛ فالغاية بناء دولة، لا استبدال سلطة عسكرية بأخرى.

لن تستقر المنطقة بمجرد توقيع اتفاقات تستطيع قوى مسلحة نقضها. تبدأ التسوية المستدامة حين تتطابق سلطة القرار مع مسؤولية نتائجه، وحين تفقد الشبكات العسكرية حقها في فرض الحرب أو تعطيل السلام. عندها فقط تصبح المؤسسات قادرة على حكم المستقبل، بعدما طال حصر دورها في إدارة الخسائر.