لأحمد قبلان نقول: المارونية السياسية هي اللبنانية السياسية، والشيعية الإيرانية هي نقيضها

تطرّق الشيخ أحمد قبلان، في موقفه الطويل والمكرّر، والذي يغلب عليه الإسهاب في الجمل والعبارات من دون أن يقدّم مضمونًا جديدًا، إلى نقطة لا يمكن أن تمرّ بالنسبة إلينا مرور الكرام. قال إنه لا يريد أن يتحدث عن «المارونية السياسية وتجربتها المرّة»، بل عن الرئيس نبيه بري الذي أثار، طوال تاريخه وحتى اليوم، ثابتة حماية التمثيل الوطني المسيحي.

وهنا لا بدّ من التوقف. المسيحيون في لبنان ليسوا بحاجة إلى الرئيس بري، مع كامل الاحترام لشخصه، كي يحمي تمثيلهم. تمثيل المسيحيين ليس منّة من أحد، ولا يحتاج إلى وصاية من أي طرف، بل هو مكفول بالدستور والميثاق. وبالتالي، فإن محاولة التربّح السياسي من هذا العنوان، أو تقديم حماية التمثيل المسيحي على أنها فضل من أحد، مرفوضة جملةً وتفصيلًا.

فلبنان كان، في مراحل المارونية السياسية، «سويسرا الشرق»؛ كان واحة استقرار وازدهار، واقتصادًا حرًا، وانفتاحًا، وحياةً سياسية وثقافية وإعلامية متقدمة، ومصرفياً وتعليمياً وسياحياً، وكان نموذجًا مختلفًا عن محيطه العربي. ولم تكن المارونية السياسية مشروعًا مذهبيًا بالمعنى الذي يحاول البعض تصويره، بقدر ما كانت في جوهرها تعبيرًا عن مشروع لبنان الدولة والانفتاح والحرية والاقتصاد الحر.

بل يمكن القول إن المارونية السياسية كانت، عمليًا، اللبنانية السياسية: أي الصيغة التي جعلت من لبنان مساحة مختلفة في هذا الشرق، ووضعت أسس دولة ومؤسسات واقتصاد وحريات عامة وحياة مشتركة بين اللبنانيين.

وإذا كان الشيخ قبلان يريد المقارنة، فلتكن المقارنة كاملة لا انتقائية. ماذا قدّمت المارونية السياسية للبنان، وماذا قدّمت «الشيعية السياسية الإيرانية» التي يتحدث عنها اليوم؟

الأولى جعلت من لبنان واحة في هذا الشرق، فيما الثانية دفعت به إلى أن يكون ساحة صراع إقليمي، وميدانًا للحروب، ومسرحًا للعنف والاغتيالات والانهيار والفساد، وأدخلته في مشروع يتجاوز الدولة اللبنانية وحدودها ومصالحها.

الأولى بنت لبنان المنفتح على العالم، والثانية جعلت لبنان جزءًا من محور إقليمي. الأولى رسّخت فكرة لبنان الدولة، والثانية كرّست منطق الدولة داخل الدولة. الأولى قامت على الانفتاح والحداثة والحريات والاقتصاد الحر، والثانية ارتبطت بمشروع إيراني عابر للحدود، جعل من السلاح وسيلة لفرض الأمر الواقع وتحديد خيارات لبنان.

لذلك، لا يمكن تمرير المقارنة بين «المارونية السياسية» و«الشيعية السياسية الإيرانية» وكأنهما تجربتان متماثلتان في طبيعة المشروع والنتائج. فهما لا تتساويان ولا تتشابهان، لا في المرجعية ولا في الرؤية ولا في النتائج.

المشكلة ليست في الانتماء المذهبي لأي طائفة، بل في المشروع السياسي الذي يُبنى باسم الطائفة. ومن هنا تحديدًا تكمن خطورة الخلط بين الشيعة اللبنانيين، وهم مكوّن أساسي من مكوّنات لبنان، وبين مشروع سياسي إيراني يستخدم الساحة اللبنانية لخدمة أجندة تتجاوز لبنان.

أما المارونية السياسية، بكل أخطائها وثغراتها ومراحلها، فلا يجوز اختزالها في صورة كاريكاتورية لتبرير واقع سياسي جديد. نعم، لها أخطاؤها، كما لكل تجربة سياسية تاريخية أخطاؤها، لكن الحكم عليها يجب أن يكون وفق ما أنتجته للبنان، لا وفق ما يرغب البعض في تصويره اليوم.

فلبنان الذي عرف الازدهار والحرية والانفتاح لم يكن صدفة. ولبنان الذي تحوّل لاحقًا إلى ساحة للحروب والانهيار لم يكن صدفة أيضًا.

والفارق بين التجربتين واضح: مشروع لبناني جعل من لبنان وطنًا، ومشروع إيراني جعل من لبنان ساحة.

وهذا تحديدًا ما لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام.