جرت العادة لدى الحزب الإيراني في لبنان على استخدام الصحافة الإسرائيلية في معركته السياسية والإعلامية ضد إسرائيل وخصومه اللبنانيين. ولعلّ أكثر من اشتهر بهذه البدعة كان الأمين العام السابق حسن نصرالله، الذي كان يخصص في خطاباته مساحة واسعة لما تقوله الصحافة الإسرائيلية، وكأنها المرجع الذي يشرح لجمهوره حقيقة قوة حزبه وموقعه وتأثيره، فيما كانت هذه الصحافة تُضلّله عن سابق تصوّر وتصميم بالكلام عن قوة الحزب وخوف إسرائيل منه، في محاولة لإقناع جمهوره بأن إسرائيل ترى في الحزب قوة استثنائية.
لكن ما فعله الأمين العام الحالي، الشيخ نعيم قاسم، تجاوز هذه القاعدة إلى فضيحة مكتملة الأوصاف. ففي خطابه الأخير، استشهد قاسم بما قال إنه نص لكاتب إسرائيلي يدعى «موشي يئير»، نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ويتضمن كلامًا تخوينيًا بحق الوفد اللبناني المفاوض، وبحق السفيرة اللبنانية، وبحق الدولة اللبنانية، وصولًا إلى اتهام اللبنانيين بأنهم يساعدون إسرائيل على احتلال بلدهم.
المشكلة ليست فقط في مضمون الكلام المفبرك، بل إن هذا النص غير موجود، والكاتب غير موجود، وهنا تقع الفضيحة. كيف يمكن لأمين عام حزب أن يستشهد بنص بهذه الخطورة لتخوين وفد لبناني رسمي، من دون أن يتحقق أولًا من المصدر؟ وكيف يمكن أن يُنسب كلام بهذه الفجاجة إلى صحيفة إسرائيلية وإلى كاتب إسرائيلي من دون تقديم رابط المقال؟
إذا كان الشيخ نعيم قاسم قد استند إلى مادة مفبركة، فالمسألة لا تُعالج بتبرير سياسي ولا بإلقاء المسؤولية على من أعدّ الخطاب. المسؤولية تقع عليه مباشرة، لأنه هو الذي قدم هذه المادة إلى اللبنانيين باعتبارها حقيقة. وكان يُفترض به، في موقعه، أن يدقّق ويتحقّق قبل أن يستخدم نصًا غير موجود لضرب الدولة اللبنانية والوفد المفاوض وتخوين شخصيات لبنانية رسمية.
لذلك، المطلوب من الشيخ نعيم قاسم ليس فقط الاعتذار من الوفد اللبناني المفاوض والدولة اللبنانية وللذين تناولهم النص بالاتهام والتخوين، لأن القضية تتجاوز الاعتذار، فحين يصل فريق سياسي إلى مرحلة يستند فيها أمينه العام إلى كاتب مختلق وغير موجود، وإلى مقال لا يمكن العثور عليه، لتبرير موقف سياسي وتخوين خصومه، فهذا ليس مجرد خطأ في إعداد خطاب. إنه مؤشر إلى فضيحة تكشف إلى أي حد وصل الإفلاس السياسي والإعلامي لهذا الفريق: من قوة تدّعي أنها تُرعب إسرائيل، إلى خطاب يختلق «إسرائيلي» وهمي ليقول إن الدولة اللبنانية تخدم إسرائيل.
وهذا هو الوجه الحقيقي للتزوير: مشروع انتهى على الأرض، فيحاول أن يعوّض هزيمته في الميدان بروايات مفبركة في الإعلام. لكن الرواية المفبركة لا تعيد مشروعًا إلى الحياة. ولا الكاتب الوهمي ينقذ خطابًا مفلسًا. ولا يمكن لحزب أن يطلب من اللبنانيين تصديق رواياته فيما هو يروي عليهم الكذب، ويئير يجسِّد حقيقة هذا الفريق: إنه كذبة مدوية، من كلامه عن توازن الرعب واحتلاله الجليل، إلى موشي يئير.
إنها ليست مجرد زلّة. إنها فضيحة. وعلى نعيم قاسم ليس الاعتذار فقط، بل اعتزال العمل العام.




