شارل جبّور
لبنان الرسمي أدان واستنكر أمس الهجمات الإسرائيلية التي أسفرت عن سقوط مدنيين. رئيس الجمهورية جوزاف عون اعتبرها رسالة إلى مسار التفاوض والجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق اتفاق الإطار، ورئيس الحكومة نواف سلام أكد أن هذه الاستهدافات تقوِّض دور الجيش اللبناني الذي يضطلع بمسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية إذا وُجدت على الأراضي اللبنانية. أما “الحزب الإيراني” فاعتبرها محاولة لفرض أمر واقع لا يمكن أن تستمر، متوعدًا بالرد بما يناسبها دفاعًا عن لبنان وشعبه وسيادته وكرامته الوطنية. وإسرائيل، في المقابل، قالت إنها استهدفت قائد قطاع في قوة الرضوان، موضحة أن أفرادًا من عائلته كانوا موجودين في مقر القيادة الذي استُهدف، من دون أن يكونوا أهدافًا للعملية.
كل هذه الروايات والمواقف لا تغيّر حقيقة أساسية: عدد الاستنكارات الرسمية منذ انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الحكومة لا يُحصى، لكن أيًا منها لم يغيّر شيئًا في الواقع. استمرت الكلمة للميدان، واستمرت العمليات العسكرية، واستمر السلاح غير الشرعي، واستمرت البنى العسكرية لـ”الحزب الإيراني”، فيما بقيت الدولة تلاحق النتائج بالبيانات بدلًا من معالجة الأسباب.
والأسوأ أن بعض البيانات لا تكتفي بعدم معالجة المشكلة، بل تتحوّل إلى هروب من الواقع. عندما يقول رئيس الحكومة، مثلًا، إن “البنى العسكرية إذا وُجدت” على الأراضي اللبنانية هي من مسؤولية الجيش، يعرف دولة الرئيس أن المسألة ليست “إذا وُجدت”. هذه البنى موجودة، والحرب قامت أساسًا بسبب وجودها، وما زالت الأنفاق والمنشآت والسلاح موجودة. كما أن “الحزب الإيراني” نفسه لا يخفي تمسّكه بسلاحه ورفضه تسليمه، وإصراره على مواصلة ما يسمّيه “المقاومة”. فهل المطلوب أن نتعامل مع واقع غير موجود في البيانات، فيما الواقع نفسه ماثل أمام الجميع؟
ولم ينسَ أحد البيانات الرسمية التي كانت أكدت خلو جنوب الليطاني من السلاح، فيما الوقائع الميدانية أظهرت استمرار وجود بنى عسكرية وسلاح وأنفاق لا تعدّ ولا تحصى. وهذه البيانات لم تخدم الدولة ولا الجيش، بل ضربت صدقية المؤسسة العسكرية وصدقية الدولة اللبنانية.
لا أحد يختلف على أن استهداف المدنيين مرفوض ومدان جملة وتفصيلًا. سقوط المدنيين خط أحمر، ومن واجب الدولة أن تدين أي استهداف لهم، أيًا يكن مصدره. لكن المشكلة ليست في الإدانة بحدّ ذاتها، بل في ما بعد الإدانة، لجهة تحميل المسؤولية لمن يجب أن يتحمّلها فعلًا وأساسًا، أي “الحزب الإيراني”.
فإذا كانت الدولة تريد فعلًا حماية اللبنانيين، فعليها أن تسأل: لماذا توجد بنى عسكرية وسلاح خارج إطارها؟ ولماذا يستمر “الحزب الإيراني” في الاحتفاظ بسلاحه رغم كل القرارات الدستورية والقانونية والدولية، ورغم اتفاق وقف إطلاق النار، ورغم اتفاق 27 تشرين الثاني، ورغم التزامات الدولة اللبنانية؟ الإدانة يجب أن تطال من يصرّ على إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للحرب، أي إيران وحزبها في لبنان.
يا فخامة الرئيس، يا دولة الرئيس، إذا كان الهدف فعلًا حماية المدنيين، فالمطلوب معالجة أصل المشكلة لا الاكتفاء بإدانة نتيجتها. لأن استمرار السلاح غير الشرعي يعني استمرار الحرب، واستمرار الحرب يعني استمرار سقوط المدنيين. ولولا إصرار “الحزب الإيراني” على إبقاء سلاحه خارج الدولة، لما بقيت هناك ذريعة لاستمرار الحرب. فهو الذي أدخل لبنان في الحرب، وليس إسرائيل، وهذه الوقائع لا يمكن القفز فوقها. فهو من أعلن الحرب عليها في 8 تشرين الأول 2023، وهو من رفض تنفيذ اتفاق 27 تشرين الثاني بنزع سلاحه، كما رفض قبلها تنفيذ القرار 1701، وعلى غرار رفضه تنفيذ الدستور اللبناني وحل تنظيمه غير الشرعي. وهو الذي يصر اليوم على الاحتفاظ بالسلاح، أملًا في أن يأتي ضغط دولي أو أميركي يوقف إسرائيل، فيما يبقى سلاحه على حاله.
إن كل مدني يسقط، وكل استمرار للحرب، وكل استمرار للتدمير والتهجير، تتحمل مسؤوليتهما جهتان أساسيتان:
الفريق الأول هو “الحزب الإيراني” الذي يصر على مشروعه المسلّح الإيراني التخريبي والتوسّعي، الذي دمّر لبنان وقتل اللبنانيين، وهو مشروع انقلابي على الدولة اللبنانية ودستورها وميثاقها. فأي بيان استنكار، يا فخامة الرئيس ويا دولة الرئيس، يجب أن يحمّل مباشرة، ومن دون مواربة، “الحزب الإيراني” وقيادته وعناصره مسؤولية كل نقطة دم تسقط، ومسؤولية كل دمار يحصل، ومسؤولية استمرار الحرب.
إن عدم تحميل هذا الحزب المسؤولية هو تغطية، من رئيسي الجمهورية والحكومة، لهذا الحزب ولما يقوم به من حرب تنفيذًا للأجندة الإيرانية، ويجعله يتمسّك أكثر فأكثر بسلاحه التخريبي والإرهابي.
والفريق الثاني الذي يتحمّل مسؤولية استمرار الحرب وسقوط الأبرياء هو الدولة اللبنانية، بشخص رئيسيها جوزاف عون ونواف سلام، لأنهما لا يتحملان مسؤوليتهما الدستورية في تنفيذ الدستور وقرارات الحكومة.
فالدولة التي لا تنزع السلاح غير الشرعي، ولا تفرض سيادتها، ولا تنفّذ التزاماتها، تتحمل مسؤولية سياسية مباشرة عن استمرار الوضع الذي يعرّض اللبنانيين للخطر. ولا يمكن للدولة أن تتعامل مع السلاح الإيراني كأنه أمر واقع خارج مسؤوليتها، ثم تكتفي بإدانة نتائج وجوده.
إن الوضع أصبح أكثر سوءًا مع رئيسي الجمهورية والحكومة. فلا يكتفيان بعدم تنفيذ القرارات التي صدرت عن الحكومة برئاستهما، بل أصبحا في وضع يمنح السلاح الإيراني، من خلال بياناتهما، الغطاء الذي هدفه استرضاء هذا الحزب.
فإذا كانا لا يريدان تحمّل واجباتهما الدستورية بنزع السلاح، فعليهما، بالحد الأدنى، تحميل “الحزب الإيراني” في بياناتهما مسؤولية سقوط الأبرياء واستمرار الحرب. وعليهما أن يعرفا أن بياناتهما، بصيغتها الحالية، تشكّل تشجيعًا للحزب الإيراني على مواصلة أعماله التخريبية والإرهابية.
المطلوب الكف عن المزايدة في البيانات، لأن الشعب اللبناني يدفع من دمه وكيسه وعرقه وتعبه ثمن تقاعس الدولة عن تحمّل مسؤولياتها. المطلوب تنفيذ الدستور بنزع سلاح الحزب الإيراني وحل تنظيمه العسكري والأمني. والمطلوب ليس معالجة النتيجة، بل معالجة السبب.
المدخل إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة السيادة، وتطبيق اتفاق الإطار، هو نزع سلاح “الحزب الإيراني” وحل تنظيمه العسكري والأمني، ووضع كل السلاح تحت سلطة الدولة اللبنانية.
كل ما عدا ذلك يبقى دورانًا في الحلقة المفرغة نفسها: بيانات تستنكر، وميدان إيراني يواصل فرض وقائعه، ولبنانيون أبرياء يدفعون الثمن لأنهم عالقون بين مطرقة حزب إيراني مخرّب، وسندان دولة لبنانية عاجزة أو متواطئة.




