لبنان أمام ثلاثة خيارات خلاصية… ولا رابع لها!

شارل جبّور

وصل لبنان إلى مرحلة لم يعد جائزاً فيها الاستمرار في تمديد الحلول، أو تضييع الفرص من استحقاق إلى آخر، أو الدوران في حلقة الفوضى والانهيار نفسها. فالمطلوب اليوم ليس إدارة الأزمة، ولا شراء الوقت، ولا البحث عن تسويات ظرفية تؤجّل الانفجار، بل الذهاب مباشرة إلى حلول جذرية تضع حداً لهيمنة المشروع الإيراني على لبنان، وتعيد القرار إلى الدولة واللبنانيين.
والواقع أنّ الظروف الموضوعية الداخلية والخارجية المحيطة بلبنان اليوم هي الأفضل في تاريخه الحديث، وتتجاوز بأهميتها كل الفرص التي أتيحت له وأضاعها، من عام 1982 إلى عام 1989، وصولاً إلى عام 2005. فنحن أمام لحظة استثنائية تتقاطع فيها التحولات الإقليمية والدولية مع واقع لبناني لم يعد يحتمل استمرار الوضع القائم، بما يجعل فرصة استعادة الدولة لسيادتها وقرارها الوطني أكثر قابلية للتحقق من أي مرحلة سابقة.
ومن يريد لبنان بلداً مستقراً ومزدهراً وآمناً، لا يجوز أن يتسامح مع إهدار هذه الفرصة، ولا أن يقبل باستمرار خطف بلده وإخضاعه لمشروع لا يمتّ إلى مصالحه الوطنية بصلة. فالمسألة ليست خلافاً سياسياً أو تبايناً في وجهات النظر، بل تتصل بمصير لبنان، وبحق اللبنانيين في العيش في دولة تحميهم، لا في دولة مخطوفة ومشلولة وعاجزة عن حماية أبنائها.
من هنا، لم يعد أمام لبنان سوى ثلاثة خيارات خلاصية، ولا رابع لها:
الخيار الأول: أن تستعيد الدولة قرارها وتنفّذ دستورها وقراراتها.
على الدولة أن تتوقف عن رهن قراراتها بالرهانات الخارجية والاستحقاقات الإقليمية، وأن تنتقل من إعلان المواقف واتخاذ القرارات إلى تنفيذها. والمطلوب أن تمنح حزب الله مهلة ثلاثين يوماً لحلّ تنظيمه العسكري والأمني، وتسليم كامل سلاحه، وتفكيك شبكاته العسكرية والأمنية، والخضوع الكامل لسلطة الدولة ومؤسساتها. وإلا، فعليها أن تتحمّل مسؤوليتها في فرض قراراتها، وأن تضع حداً نهائياً لهذا الأمر الواقع، وصولاً إلى مواجهة حاسمة تنهي قدرة الحزب على فرض إرادته على اللبنانيين والدولة.
الخيار الثاني: إعلان المناطق غير الخاضعة لهيمنة حزب الله مناطق لبنانية محرّرة.
إذا كانت الدولة لا تزال عاجزة عن اتخاذ القرار الأول، فعليها أن تنتقل إلى خيار آخر، يقوم على إعلان المناطق اللبنانية التي لا تخضع لهيمنة حزب الله مناطق محرّرة، وإدارة شؤونها وحمايتها وفق الدستور والقوانين، من دون أن تبقى رهينة المناطق التي يفرض الحزب سيطرته عليها.
وهذا الخيار لم يكن متاحاً بالسهولة نفسها في مراحل سابقة، بسبب وجود دولة عميقة تحمي الأمر الواقع، وبسبب اختلال موازين القوى الذي فرضه الحزب. أما اليوم، فلم يعد مقبولاً أن تتحول الدولة العميقة إلى ذريعة لتعطيل أي قرار إنقاذي. فمن لا يريد قيام دولة فعلية، ولا يقبل تنفيذ قراراتها، فليتنحَّ عن مسؤولياته، وليترك اللبنانيين الذين يريدون العيش في كنف الدولة يمارسون حقهم في حماية مناطقهم وإدارة شؤونهم.
والمقصود هنا إعلان المناطق ذات الغالبية المسيحية والدرزية والسنية مناطق محرّرة من الهيمنة العسكرية والأمنية للحزب، وتركه يتحمّل مسؤولية الخيارات التي يفرضها في المناطق التي يسيطر عليها. أما إذا قرر مواجهة هذا المسار وفرض سلطته بالقوة على المناطق الأخرى، فعلى الدولة أن تتصدى له وتحول دون تمدد هيمنته.
الخيار الثالث: ذهاب البيئات اللبنانية إلى الانفصال بحكم الأمر الواقع.
إذا لم تكن الدولة في وارد اتخاذ الخيار الأول، ولا تملك الإرادة للذهاب إلى الخيار الثاني، فلا يبقى أمام البيئات اللبنانية التي ترفض الخضوع للمشروع الإيراني سوى أن تتجه إلى الانفصال بحكم الأمر الواقع، وأن تنظم شؤونها السياسية والأمنية والإدارية بما يحفظ حريتها وكرامة أبنائها ومصالحها.
فلا يمكن مطالبة جماعات لبنانية بالبقاء تحت سقف دولة عاجزة عن حمايتها، ولا تحت سلطة مشروع مسلح يريد إخضاعها وإبقاءها مواطنين من درجات أدنى، وتسخير وطنها ومقدراته لخدمة أجندة إيرانية وإرهابية. ومن يرفض حق هذه البيئات في حماية نفسها وتقرير شؤونها، لا يدافع عن وحدة لبنان، بل يدافع عن استمرار إخضاعها وإبقائها رهينة مشروع لا تؤمن به ولا تقبل به.
هذه ليست دعوة إلى تضييع فرصة جديدة، ولا إلى انتظار تبدّل الظروف، ولا إلى إدارة الأزمة بجرعات إضافية من التسويات. إنها دعوة إلى الانتقال الفوري من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الخيارات العملية.
فإما دولة تفرض سلطتها وتحلّ التنظيم العسكري والأمني لحزب الله، وإما مناطق محرّرة من هيمنته، وإما انفصال بحكم الأمر الواقع لمن يرفض العيش تحت سلطته.
ثلاثة خيارات خلاصية، ولا رابع لها. ونقطة على السطر.