القوات لا تطالب الحكومة بتبنّي أجندتها… بل بتنفيذ قراراتها!

كتب المحرّر السياسي:
إنّ المقال الذي نشره موقع «لبنان ديبايت» بعنوان «الدولة ليست رهينة أحد… ردّ قاسٍ على تصعيد القوات»، بقلم محرره السياسي، يحاول تصوير المشهد وكأنّ القوات اللبنانية تشنّ هجومًا على رئاستَي الجمهورية والحكومة وقيادة الجيش، وتحمّل الدولة ومؤسساتها مسؤولية خلاف سياسي معها. كما يحاول تقديم نفسه مدافعًا عن رئاستَي الجمهورية والحكومة في مواجهة حزب يسعى إلى إخضاعهما لأجندته السياسية.
هذه المقاربة لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، وتقوم على مجموعة من المغالطات التي تستدعي التوضيح. فأي مراجعة موضوعية لخطاب القوات اللبنانية ومواقفها تؤكد أنّ مطلبها الأساسي والثابت هو تطبيق الدستور وتنفيذ قرارات الحكومة، لا تصفية حسابات سياسية، ولا تحويل المؤسسات الدستورية إلى ساحات لتصفية هذه الحسابات.
والأغرب أنّ المقال ينطلق من فرضية أنّ القوات تريد من رئاستَي الجمهورية والحكومة أن تكونا امتدادًا لمعـراب، وأن يتحوّل مجلس الوزراء إلى هيئة تنفيذية لقرارات حزب القوات، فيما الحقيقة أنّ القوات لا تطلب من الرئاستين تبنّي خياراتها الحزبية، بل الالتزام بما تعهّدتا به أمام اللبنانيين، وبما نصّ عليه خطاب القسم والبيان الوزاري، وبما أقرّه مجلس الوزراء نفسه.
فالقوات شريك في الحكومة، ومن موقع الشراكة والمسؤولية تطالب بتنفيذ القرارات التي اتخذتها الحكومة، لا القرارات التي تتخذها الهيئة التنفيذية في الحزب. وهي بذلك لا تدافع عن موقف حزبي، بل عن صورة الحكومة وصدقيتها ودورها، وعن مبدأ أساسي مفاده أنّ القرارات الحكومية ليست وجهات نظر قابلة للأخذ والرد، بل قرارات يفترض أن تُنفّذ.
ويكفي، بعيدًا من القوات ومواقفها، أن يُسأل الرأي العام اللبناني عن مصير القرارات الحكومية، وعن الدستور الذي لم يُطبّق، وعن التعهّدات التي بقيت أقوالًا ولم تتحوّل إلى أفعال، ليتبيّن أين تكمن المشكلة الفعلية.
وفي هذا السياق، لا بدّ من توضيح النقاط الآتية:
أولًا: من يضع الخطط على الورق؟
إنّ أكثر ما ينطبق عليه اتهام وضع الخطط على الورق هو الحكومة التي تتخذ قرارات ولا تنفّذها، وليس وزير الطاقة الذي اتخذ قرارًا وبدأ بتنفيذه. لقد أثبت وزير الطاقة أنّ هناك من يستطيع اتخاذ القرار والمضيّ في تنفيذه، وهو ما يتطلع إليه اللبنانيون في مختلف مؤسسات الدولة.
فبأي منطق تُقطع الكهرباء عن مواطن فقير لا يسدّد المتوجبات المالية المترتبة عليه، فيما يُغضّ الطرف عن مؤسسات رسمية لا تسدّد مستحقاتها للدولة؟
إنّ مماطلة الحكومة، ولا سيما وزارة المالية، في تسديد المستحقات المتراكمة على الدولة، بمختلف أنواعها، لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان، تهدّد بتقليص ساعات التغذية الكهربائية مع بداية فصل الشتاء، بما يفاقم معاناة اللبنانيين ويحمّلهم أعباء إضافية لا قدرة لهم على تحمّلها.
إنّ وزير الطاقة يبذل كل ما في وسعه لزيادة ساعات التغذية، إلا أنّ تحقيق هذا الهدف يبقى متعذّرًا ما لم تبادر وزارة المالية إلى تسديد المستحقات المتوجبة على الدولة لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان.
فالمطلوب من الحكومة أن تنفّذ التزاماتها، لا أن تعرقل عمل الوزير الذي يسعى إلى تحسين التغذية الكهربائية. ومن غير المقبول أن يُحاسَب المواطن على عدم تسديد مستحقاته، فيما تُعفى الدولة ومؤسساتها من الالتزام نفسه.
ثانيًا: متفجرات ضهر البيدر ليست ملفًا إجرائيًا أو تقنيًا
في قضية متفجرات ضهر البيدر، لا تتعلق المسألة بإجراء إداري أو تقني، ولا تقتصر على اسم المرجعية القضائية التي تنظر في الملف. إنها قضية تتصل بخطورة المتفجرات نفسها، وبالأبعاد الأمنية والوطنية لما كُشف عنها.
فنحن أمام متفجرات، وأمام حزب أقرّ بالصوت والصورة بأنها عائدة إليه، ثم هدّد الدولة علنًا بالحرب إذا مضت في إحالة الملف إلى المجلس العدلي. فلماذا الإصرار على إغراق القضية في تحقيقات تطول وتتفرّع، فيما الجهة التي تعود إليها المتفجرات معروفة، وقد أعلنت مسؤوليتها عنها؟ ولماذا ينحصر البحث في العناصر التي نقلت الشحنة، ومن كان يقود الشاحنة، ومن سلّم المتفجرات، ولمن تسلّمها، فيما يجري تغييب مسؤولية الحزب الذي اعترف علنًا بملكيتها؟
إنّ المطالبة بإحالة الملف إلى المجلس العدلي تنطلق من خطورة القضية وطبيعتها، ومن ضرورة تحديد المسؤوليات على مستوى الجهة التي تقف وراءها، لا الاكتفاء بملاحقة الحلقات التنفيذية، وكأن الهدف تبرئة الجهة صاحبة القرار، إلا إذا كان المطلوب فعلًا لفلفة القضية.
ثالثًا: القوات لم تحمّل قائد الجيش مسؤولية قرار لم يصدر عن السلطة السياسية
لم تضع القوات اللبنانية المسؤولية عند قائد الجيش، ولم تطلب منه تحمّل مسؤولية قرار لم يصدر عن السلطة السياسية. ما قالته واضح: إذا كانت السلطة السياسية قد أصدرت الأمر بتنفيذ قراراتها، ولم تنفّذ قيادة الجيش هذا الأمر، فعندها تصبح الاستقالة تحصيل حاصل، لأنّ هذا هو منطق المؤسسات والمساءلة والمحاسبة.
لكنّ الأمر لم يصدر عن السلطة السياسية، ولم تطلب الحكومة من الجيش تنفيذ القرار المطلوب. وبالتالي، لا يجوز أن تحاول بعض الجهات داخل الدولة نقل المسؤولية إلى قائد الجيش، فيما هي لم تتخذ القرار التنفيذي المطلوب ولم تصدر الأمر بتنفيذه.
لقد أصبح واضحًا أنّ هناك توجّهًا لإبقاء المسؤولية ضائعة، فيما المسؤولية تقع على عاتق السلطة السياسية التي لم تصدر الأمر إلى الجيش بالتنفيذ. ومن غير الصحيح إطلاقًا أنّ القوات تتعامل مع الجيش بمنطق الإملاءات أو تحديد المهل، أو تطلب منه تجاوز السلطة السياسية. على العكس، تعتبر القوات أنّ الحكومة هي المرجعية التي تحدد الخيارات وتتخذ القرارات، فيما يتولى الجيش تنفيذها. فمن يقدّر الظرف السياسي ويتخذ القرار هو الحكومة، لا قيادة الجيش. والحكومة اتخذت القرار، لكنها لم تطلب من الجيش تنفيذه. وهذه هي الحقيقة التي يحاول البعض طمسها.
رابعًا: من يطالب بحصرية السلاح هو المدافع الأول عن دور الجيش
إنّ من يريد فعلًا حصر السلاح بيد الدولة هو أول المدافعين عن دور المؤسسة العسكرية ووحدتها. فالقوات اللبنانية والقوى السيادية هي الأكثر مطالبة بأن تكون الكلمة الفصل للدولة، وأن يتولى الجيش اللبناني وحده مسؤولية الدفاع عن الحدود، وقرار الحرب والسلم، وحماية السيادة الوطنية.
أما من يفرغ المؤسسة العسكرية من دورها، ويبقي قرار الحرب والسلم خارج الدولة، ويُبقي سلاحًا غير شرعي موازيًا لسلاح الجيش، فهو الذي يضرب وحدة القرار العسكري والسيادي، وليس من يطالب بأن يكون الجيش المرجعية العسكرية الوحيدة في البلاد.
فالمطلوب ليس حماية صورة المؤسسة العسكرية عبر إعفائها من دورها، بل تمكينها من أداء هذا الدور، ووضعها في الموقع الذي يحدده الدستور وقرارات الحكومة. ولا يمكن أن تكون هناك مؤسسة عسكرية صاحبة دور فعلي فيما يبقى السلاح والقرار العسكري خارج سلطتها.
خامسًا: الشراكة الحكومية تعني تحمّل المسؤولية والمطالبة بالتنفيذ
صحيح أنّ من يشارك في الحكومة يصبح شريكًا في المسؤولية، لكنّ الشراكة تعني أيضًا المطالبة بتنفيذ قرارات الحكومة. والقوات اللبنانية لا تتنصّل إطلاقًا من مسؤوليتها الحكومية، بل على العكس تمامًا، هي تمارس هذه المسؤولية عندما تطالب بتنفيذ القرارات التي شاركت في اتخاذها.
فمن يتنصّل فعليًا من المسؤولية ليس القوات، بل من يتنصّل من تنفيذ القرارات التي اتخذتها الحكومة نفسها. ولماذا اتخذت الحكومة قراراتها إذا لم تكن تريد تنفيذها؟ ماذا يعني قرار الحكومة في 5 و7 آب بحصر السلاح بيد الدولة؟ وماذا يعني قرار 2 آذار بحلّ التنظيم العسكري والأمني لحزب الله؟ هل هي قرارات اتُّخذت للاستهلاك السياسي والإعلامي، أم أنّها التزامات حكومية يفترض أن تتحوّل إلى إجراءات تنفيذية؟
القوات لا تطالب الحكومة بتنفيذ قرارات الهيئة التنفيذية في الحزب، بل تطالبها بتنفيذ قرارات مجلس الوزراء نفسه. وهذه نقطة جوهرية يتعمّد المقال تجاهلها أو القفز فوقها.
سادسًا: من يعطّل تنفيذ التعهدات هو من يجهض العهد والحكومة
من يريد فعلًا إجهاض العهد والحكومة هو من يعطّل تنفيذ خطاب القسم والبيان الوزاري وقرارات مجلس الوزراء، وليس من يطالب بتطبيقها.
فإذا كان هناك فريق سياسي يريد إنجاح عهد الرئيس جوزاف عون وحكومة الرئيس نواف سلام، فهو الفريق الذي يطالب بتحويل التعهدات إلى وقائع، والقرارات إلى إجراءات، والكلام عن سيادة الدولة إلى ممارسة فعلية.
والقوات اللبنانية لا تطالب، في هذا السياق، بأكثر من تطبيق خطاب القسم والبيان الوزاري والقرارات الحكومية. أما الإبقاء على الهوّة بين ما تقوله الدولة وما تفعله، وبين ما تتعهّد به وما تنفّذه، فهو ما يضرب صدقية العهد والحكومة، ويُبقي صورة العجز والمراوحة قائمة أمام اللبنانيين.
سابعًا: من يهدّد الدولة فعلًا؟
يتحدث المقال عن رفض منطق التهديد وفرض الشروط، وكأنّ القوات اللبنانية هي التي تضع الدولة أمام خيارات قسرية، في من هدّد الحكومة علناً هو حزب الله بأن إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي ستؤدي إلى الحرب، وهناك من رضخ، ويا للأسف، لهذا التهديد.
فمن الذي يهدّد الدولة إذًا؟ من يطالب بتطبيق قراراتها، أم من يتوعّدها بالحرب إذا نفّذت قرارًا قضائيًا أو حكوميًا لا يناسبه؟
إنّ مطالبة الدولة بفرض سلطتها ليست تهديدًا لها، بل مطالبة لها بأن تمارس دورها. أما التهديد الحقيقي فهو الذي يصدر عن جهة مسلّحة تضع قرارات الدولة تحت رحمة موافقتها أو رفضها، وتتعامل مع مؤسساتها وكأنّ تنفيذ قراراتها يحتاج إلى إذن منها.
ثامنًا: الدولة ليست رهينة معراب، لكنها لا تزال رهينة حزب الله
لم تطلب القوات اللبنانية من الرئيس جوزاف عون أو الرئيس نواف سلام إرضاءها، ولم تطلب منهما تبنّي برنامجها السياسي أو الالتزام بأجندتها الحزبية. كل ما طالبت به هو تنفيذ الدستور والبيان الوزاري وخطاب القسم والقرارات التي اتخذتها الحكومة.
فالمسألة ليست إرضاء معراب أو إغضابها، بل إرضاء اللبنانيين عبر بناء دولة فعلية، دولة لا تخضع لأي حزب، ولا تسمح لأي جهة بأن تضع قراراتها فوق قرارات المؤسسات الدستورية.
وهنا نصل إلى المفارقة الأساسية في عنوان المقال ومضمونه. فالمقال يرفع شعار أنّ الدولة ليست رهينة أحد، ويحاول تصوير القوات اللبنانية وكأنّها تسعى إلى رهن المؤسسات الدستورية بقرارها السياسي، فيما الواقع أنّ الدولة اللبنانية لا تزال رهينة حزب الله، الذي يحتفظ بسلاحه وقراره العسكري والأمني، ويضع الدولة أمام الأمر الواقع، وصولًا إلى تهديدها بالحرب عندما تحاول ممارسة صلاحياتها.
القوات اللبنانية لا تريد رهن الدولة، بل تحريرها من الجهة التي تصادر قرارها وتمنعها من ممارسة سيادتها. ولا تريد أن تكون المؤسسات الدستورية امتدادًا لها، بل أن تكون مؤسسات فعلية تملك قرارها وتنفّذ ما تقرّره.
ومن هنا، فإنّ قلب الوقائع وتصوير القوات وكأنّها المشكلة لا يغيّر من حقيقة المشكلة، كما أنّ الدفاع عن رئاستَي الجمهورية والحكومة لا يكون بتبرير عدم تنفيذ قراراتهما، ولا بتوجيه الانتقادات إلى من يطالب بتطبيقها.
المشكلة ليست أنّ القوات تريد دولة على قياسها، بل أنّها تريد دولة على قياس الوطن والدستور. والمطلوب ليس أن ترضي الدولة معراب، بل أن ترضي الشعب اللبناني المستاء من الميوعة القائمة، وأن تستعيد قرارها من الحزب الذي ما زال يصادره.
وبالمختصر المفيد، تدور البلاد في حلقة مفرغة نتيجة عدم تنفيذ الدستور وقرارات الحكومة، وهذه هي المشكلة التي يلمسها اللبنانيون في حياتهم اليومية. ومن يضرب صورة العهد والحكومة هما فريقان: الأول حزب الله الذي يتمسّك بمشروعه المسلّح ويرفض تسليم سلاحه للدولة، والثاني من يرفض ممارسة السلطة بحزم، ويتردّد في تنفيذ القرارات التي اتخذها بنفسه.
أما محاولة رمي المسؤولية على القوات اللبنانية، التي لا تطالب إلا بتنفيذ الدستور وقرارات الحكومة، فلن تغيّر من حقيقة المسؤوليات، ولن تحجب جوهر المشكلة.



