لا تراهنوا على خسارة ترامب… الحرب لم تنتهِ

شارل جبّور
ليس المهم أن يخسر الجمهوريون أو يربح الديمقراطيون في الانتخابات النصفية الأميركية، بل المهم ألا تتحوّل نتائج هذه الانتخابات إلى فرصة للنظام الإيراني لالتقاط أنفاسه، وإعادة بناء قدراته، والرهان على تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مواصلة الحرب حتى إسقاط هذا النظام. فالمخاوف من أن تؤثر الخسارة الانتخابية في هامش حركة ترامب وقدرته على مواصلة المواجهة مخاوف جدية لا يجوز التقليل من أهميتها، لكن لا يجوز، في المقابل، تضخيم تداعياتها إلى حد اعتبارها انتصاراً إيرانياً.
يسجّل لترامب أنه الرئيس الأميركي الذي انتقل من سياسة الاحتواء والمساومة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى المواجهة العسكرية المباشرة معها. وهو لم يسمح للنظام الإيراني بأن يواصل التذاكي على الإدارات الأميركية المتعاقبة، وأن يجمع بين التفاوض حول برنامجه النووي، والاحتفاظ بمشروعه التوسعي، وتمويل ميليشياته وتسليحها، واستخدامها أدوات للعبث بأمن المنطقة واستقرارها. وما قام به ترامب سيظهر للتاريخ أنه قدّم خدمة استراتيجية للمنطقة وشعوبها وللإنسانية جمعاء، باستهداف نظام إرهابي وتوسعي لا مكان له في منظومة الدول التي تحترم قواعد العلاقات الدولية.
ولا يعني ذلك أن نتائج الانتخابات النصفية لن تنعكس على قدرة الرئيس الأميركي على تنفيذ أجندته. فانتقال مجلس الشيوخ إلى السيطرة الديمقراطية، وانتزاع مجلس النواب، يضعان أمامه تحديات سياسية وتشريعية جدية. لكن ثمة فارقاً بين تقييد هامش حركة الرئيس وبين تجريده من صلاحياته الدستورية، وبين خسارة حزبه الانتخابات وبين انتصار خصوم الولايات المتحدة الاستراتيجيين.
كما أن العلاقة الأميركية الإسرائيلية ليست علاقة حزبية مرتبطة بهوية الرئيس الموجود في البيت الأبيض. فالدعم العسكري والسياسي الأميركي لإسرائيل بعد 7 تشرين الأول 2023 جرى في عهد إدارة ديمقراطية برئاسة جو بايدن، ما يؤكد أن التحالف بين البلدين يستند إلى ثوابت استراتيجية تتجاوز التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين. وبالتالي، لا يجوز للنظام الإيراني أن يراهن على أن تبدّل موازين القوى داخل الكونغرس سيؤدي حكماً إلى تبدّل الموقف الأميركي من أمن إسرائيل أو من التهديد الإيراني.
والأهم أن ترامب لا يزال يمتلك، حتى تسلّم الكونغرس الجديد مهامه في كانون الثاني المقبل، هامشاً عسكرياً وسياسياً ودستورياً للتحرك. وقد تكون هذه الفترة فرصة أمامه لاستكمال المواجهة، بدلاً من السماح للنظام الإيراني باستثمار الوقت لإعادة ترتيب أوراقه والتقاط أنفاسه. ولا ينبغي استبعاد خيار الذهاب إلى ضربات عسكرية واسعة، خصوصاً أن طهران لم تقدّم حتى الآن ما يبرر الاعتقاد بأنها تخلّت عن مشروعها النووي والتوسعي.
أما في لبنان، فالمعادلة أكثر وضوحاً. إسرائيل لن تسمح لحزب الله بإعادة بناء قدراته العسكرية والأمنية، أو باستعادة دوره السابق كمنصة إيرانية لتهديد أمنها. فما دُمّر قد دُمّر، وما سقط من معادلات لن يعود بمجرد توقف العمليات العسكرية أو تبدّل الحسابات السياسية في واشنطن. ومصير الحزب الإيراني في لبنان مرتبط بمصير المشروع الإيراني الإقليمي، وليس بموازين القوى الانتخابية الأميركية. أما رهان الحزب على أن تمارس واشنطن ضغوطاً لإخراج إسرائيل من لبنان، فهو وهم ما بعده وهم.
ولا يجوز أن يقرأ النظام الإيراني نتائج الانتخابات النصفية باعتبارها شهادة حياة لمشروعه، أو أن يتوهّم أن خسارة الجمهوريين تعني خسارة الولايات المتحدة في المواجهة معه، أو أن يعتقد أن التصويت الأميركي يشكّل تصويتاً ضد الحرب عليه. فالمعركة لم تعد مجرد مواجهة بين إدارة أميركية ونظام إيراني، بل مواجهة بين مشروع إرهابي توسعي ومنظومة دولية لا يمكن أن تسمح له بفرض نفسه على المنطقة والعالم.
إن إيران المهزومة، التي باتت تتعلّق بحبال الهواء، مرشحة لأن تسيء قراءة نتائج الانتخابات مجدداً، وأن تراهن على أن عهد ترامب قد انتهى، وأن خسارة الجمهوريين ستمنحها فرصة للنجاة. لكنها تغفل أن ترامب لم يعد لديه ما يخسره على المستوى الانتخابي، وأنه قد يلجأ إلى توجيه ضربة عسكرية كبرى في الأيام القليلة المقبلة، واضعاً الجميع أمام الأمر الواقع.
الأكيد أن إيران ستقرأ نتائج الانتخابات قراءة خاطئة، وستراهن على أن مرحلة ترامب انتهت، وستدفع ثمن هذا الرهان غالياً. فالانتخابات لم تُنهِ الحرب، والعدّ العكسي للمواجهة المقبلة قد بدأ.



