لبنان قبل إيران… حسابات الحرب في الوقت الضائع

جوزيف بوهيا

ليست كل مواجهة مع إيران مضطرة إلى أن تبدأ من إيران. فقبل الضربة الأولى، تُعاد قراءة الجبهات التي تستطيع تغيير مسارها، ويُحسب ثمن ردّ الحلفاء كما تُحسب قدرة الخصوم على احتماله. من هنا تبرز الجبهة اللبنانية في الحساب الإسرائيلي–الأميركي بوصفها إحدى عقد الحرب المحتملة، لا ملحقاً تلقائياً بها. وتقوم القراءة على احتمال أن تستثمر إسرائيل الفترة الفاصلة بين الانتخابات الإسرائيلية والأميركية في الضغط على حزب الله قبل اكتمال ترميم قدراته، فتدخل أي مواجهة لاحقة مع طهران وجبهتها الشمالية أقل قدرة على المبادرة، وأعلى كلفة على الحزب إذا قرر التدخل.

 

إنها لحظة تتفاوت فيها قيمة الوقت. فالنتائج الأولية لانتخابات 27 تشرين الأول لم تمنح بنيامين نتنياهو أكثرية تؤمّن له حكومة جديدة، لكنها أبقته على رأس حكومة تصريف الأعمال وصاحب دور رئيسي في إدارة الملف الأمني. أما واشنطن فتقترب من انتخابات الكونغرس في الثالث من تشرين الثاني، فيما تتواصل الوساطات بشأن إيران تحت ضغط الاستعدادات العسكرية. يستخدم الأميركي الوقت لاختبار إمكان التسوية وتحصيل تنازلات، بينما تنظر إسرائيل إلى ما يستطيع خصومها استعادته من قدرات كلما طال الانتظار. هذا التفاوت لا يعني انقسام الحليفين، بل يجعل توقيت التصعيد وحدوده جزءاً حساساً من التنسيق بينهما. فما يمكن لواشنطن اعتباره ضغطاً مفيداً على طهران قد يتحول إلى عبء إذا خرج التصعيد عن السيطرة، بينما قد ترى إسرائيل أن الانتظار نفسه يمنح خصومها فرصة لتغيير شروط المواجهة.

 

في هذا السياق، أفاد «أكسيوس» بأن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير تواصل في 26 تشرين الأول مع قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر للتنسيق بشأن ضربات محتملة على إيران. لا يثبت هذا الاتصال اتفاقاً على عملية في لبنان؛ تلك هي حدود المعلومة المنشورة. لكنه يضيء سؤالاً ملازماً لكل مواجهة إقليمية: ما الذي سيحدث في اليوم التالي لضرب إيران؟ وما قدرة حزب الله على فتح جبهة تفرض على إسرائيل تحويل جزء من اهتمامها العسكري إلى الشمال؟ في هذا السؤال تحديداً تدخل الساحة اللبنانية حسابات التحضير، قبل أن تدخلها النيران.

 

تعرض الحزب لخسائر كبيرة في قيادته وبنيته العسكرية، فيما أفادت رويترز عن محاولات لإعادة بناء قدراته بدعم مالي إيراني، ولا سيما في المسيّرات والمتفجرات. هذه الفجوة بين ما خسره وما يحاول استعادته هي جوهر الفرصة التي قد تراها إسرائيل: ليس إنهاء الحزب، بل تقليص فاعلية قدراته الباقية قبل أن تتسع المواجهة. وفي هذا التصور، قد تخدم عملية جوية مكثفة ومحدودة زمنياً هدفاً أوسع من نتائجها المباشرة، هو خفض قدرة الحزب على المشاركة في حرب إقليمية طويلة ورفع ثمن أي قرار يتخذه لفتح الجبهة. فالاحتفاظ بالسلاح لا يساوي امتلاك حرية استخدامه، والقدرة على إطلاق رد لا تعني القدرة على تحمّل حرب مستدامة.

 

والضغط هنا لا يُقاس عسكرياً وحده. فقد أظهرت أوامر الإخلاء الإسرائيلية الواسعة في عام 2026، من جنوب الليطاني إلى جنوب الزهراني، أن التهجير والنزوح يمكن أن يتسعا بفعل الإنذارات والغارات من دون اجتياح بري شامل. وهذه الممارسات أثارت اعتراضات حقوقية جدية بشأن مشروعيتها. وأي نزوح جديد في مناطق أنهكتها الحرب يضيف إلى خسائر الميدان كلفة السكن والعمل والإعمار والتعويض. وحين تتكرر الخسارة، تصبح قيادة الحزب معنية لا فقط بحفظ قدراتها، بل بتفسير جدوى مواجهة جديدة أمام جمهور يطالب بالأمان والعودة. ليست النتيجة انقلاباً تلقائياً في الولاءات، وإنما تضاؤل المسافة بين القرار العسكري وبين محاسبته الاجتماعية والسياسية.

 

وتجد الحكومة نفسها في قلب هذا الضغط، وإن من موقع مختلف. عليها إيواء النازحين وحماية الخدمات والسعي إلى وقف الاعتداءات، فيما يتصاعد السؤال عمّن اتخذ قرار تعريض البلاد لحرب جديدة. هكذا تتراكب القيود على الحزب: قدرة قتالية لم تستعد عافيتها، وموارد اجتماعية مستنزفة، وضغط داخلي على احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم. وقد يبقى قادراً على إلحاق الضرر بإسرائيل، لكن اتساع كلفة استعمال ما لديه يجعله أقل حرية في تحويل تلك القدرة إلى دور إقليمي. وفي المقابل، يبقى التصعيد نفسه مخاطرة لإسرائيل إذا استجلب رداً يفتح الجبهة قبل الموعد الذي تريده واشنطن.

 

أما إيران فتقف أمام امتحان مزدوج. إذا امتنعت عن التدخل المباشر في مواجهة إسرائيلية مع حزب الله، تركت حليفها يتحمل مزيداً من الاستنزاف، وانكشف الحد الفعلي لما تستطيع ضمانه له. وإذا تدخلت عسكرياً، نقلت المواجهة إلى مستوى يهدد أراضيها ومنشآتها ويزيد احتمال انخراط الولايات المتحدة. وليس لدى طهران مصلحة واضحة في استبدال موقعها التفاوضي بحرب أوسع لم تختر توقيتها. هنا تتضح قيمة الجبهة اللبنانية في الحساب الإقليمي: ليست فقط ما يستطيع حزب الله فعله دفاعاً عن إيران، بل ما تضطر إيران إلى حسابه حين يتعرض حزب الله لضغط جديد. وعلى هذا المفترق يتغير وزن التحالف، بين الحاجة إلى الحماية والخشية من ثمنها.

 

وتصل هذه المعضلة إلى داخل السياسة الإسرائيلية. فنتنياهو، الذي يفاوض على حكومة بعد انتخابات بلا أغلبية واضحة، يستطيع توظيف أي هجوم إيراني مباشر لتقديم استمرار قيادته وتشكيل حكومة وطنية أوسع بوصفهما استجابة لتهديد يتجاوز الانقسام الحزبي. وقد طُرحت بالفعل فكرة حكومة وحدة مع غادي آيزنكوت في مناقشات سياسية وأميركية، رغم رفض الأخير التحالف مع نتنياهو. هنا لا تصبح الحرب ضمانة لبقاء رئيس الحكومة، وإنما مصدراً لحجة سياسية إضافية قد يستخدمها لإعادة ترتيب الائتلاف. وإذا امتنعت إيران، بقيت إسرائيل أمام جبهة لبنانية بلا إسناد إيراني مباشر؛ وإذا ردّت، اتسع التحدي الأمني الذي يستطيع نتنياهو استحضاره في معركة تشكيل الحكومة. غير أن الرد الإيراني سيحمل أيضاً أخطاراً جسيمة لإسرائيل، ولن يفرض على واشنطن قراراً آلياً بالانخراط في الحرب. فالمكسب السياسي الممكن لا يلغي الكلفة الاستراتيجية المحتملة.

 

وعلى هذه الخلفية يكتسب موقف نعيم قاسم في 28 تشرين الأول دلالته. فقد اعتبر الاتفاق الإطاري اللبناني–الإسرائيلي الذي أُبرم بدعم أميركي فاقداً للشرعية، ورفض بحث السلاح في ظل الاحتلال والاعتداءات، بينما قدّم التفاهم الأميركي–الإيراني باعتباره مصدر قوة. ليست القضية منع حزب سياسي من الطعن في اتفاق تتبناه الدولة، بل السؤال عمّن يملك ترجمة الاعتراض إلى قرار أمني ملزم للبنان. فحين يصبح تفاهم خارجي مرجعاً لمستقبل السلاح، بينما تُنازع مؤسسات الدولة في مرجعيتها، لا تعود الأزمة خلافاً على اتفاقين، بل على حق تحديد الحرب والسلم. ومن هنا يمكن قراءة ارتفاع السقف السياسي للحزب بوصفه محاولة للاحتفاظ بموقع تفاوضي لا يتطابق بالضرورة مع مستوى قدرته العسكرية الحالية.

 

لكن ضعف الردع الخارجي لا يزيل النفوذ الداخلي تلقائياً. فالحزب يستفيد من حضوره السياسي والخشية من الصدام الأهلي لكي تبقى كلفة تنفيذ القرار الحكومي مرتفعة. وأعادت قضية متفجرات ضهر البيدر إظهار صعوبة الفصل بين المسار القضائي والحسابات السياسية، بعدما أُرجئ البت في إحالتها إلى المجلس العدلي إلى حين استكمال التحقيقات. لا يُدان أحد قبل اكتمال الإجراءات، لكن معيار قوة المؤسسات ليس عدد القرارات المؤجلة، بل قدرتها على إنهاء التحقيقات والوصول إلى مساءلة نافذة. وعندما يتحول تفادي المواجهة إلى قاعدة دائمة، تبقى السيادة نصاً لا سلطة.

 

ولا تستقيم هذه القراءة إذا أُهمل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل لبنان. فإسرائيل تربط انسحابها بإزالة تهديد الحزب، والحزب يربط بحث سلاحه بإنهاء الاحتلال، فتستمر حلقة يستخدم فيها كل طرف موقف الآخر لتبرير موقفه. وقد رسم الاتفاق الإطاري الثلاثي في حزيران مساراً مرحلياً للانسحاب وبسط سلطة الجيش والتحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة. لكن قيمة المسار لا تُقاس بتوقيعه، بل بإمكان تنفيذ خطوات متبادلة وقابلة للتحقق. والدولة التي تستطيع إنفاذ التزاماتها تكون أقدر على المطالبة بفاعلية أكبر بالتزامات الجانب الآخر، من دون أن يكتسب الاحتلال أي شرعية من عجزها.

 

هنا تُختصر المعضلة اللبنانية: الأطراف الخارجية تستخدم الوقت لتعديل شروط الحرب والتفاوض، بينما تبقى المؤسسات أمام اختبار تحويل الشرعية إلى قرار وأدوات تنفيذ. والضرر لا يكمن فقط في أن تتراجع قدرة حزب الله أو تتسع العمليات الإسرائيلية، بل في أن يُعاد رسم موقع لبنان الإقليمي من خارج مؤسساته، تحت ضغط حرب ونزوح ومفاوضات لا يتحكم بها. قد يكون التحييد العسكري هدفاً إسرائيلياً محتملاً، وقد يكون الرد الإيراني مدخلاً إلى مواجهة أشمل؛ أما النتيجة التي تخص لبنان فهي أشد وضوحاً: عندما يبقى قرار الحرب والسلم موزعاً، لا يحفظ الانتظار الاستقرار، بل يترك للآخرين تحديد حدود المخاطرة وكلفتها. وعندها لا يكون السؤال لماذا دخل لبنان في حسابات الحرب على إيران، بل لماذا بقي قراره معلّقاً فيما كانت تلك الحسابات تُرسم من حوله.