مسار إسلام آباد مات… والمسار الأمريكي الإسرائيلي يغيّر الشرق الأوسط

شارل جبّور
من مسار بكين إلى مسار مكة، وصولاً إلى مسار إسلام آباد، تعدّدت المسارات الإقليمية التي حاولت الوصول إلى تفاهمات مع المشروع الإيراني، لكنّها التقت عند هدف أساسي، يتمثّل في الحفاظ على الستاتيكو القائم، وتجنّب التغييرات الجذرية في المنطقة، انطلاقاً من مخاوف من تداعياتها، ومن قناعة بأنّ إسقاط المشروع الإيراني أو تغيير قواعد الصراع معه أمر بالغ الصعوبة، فيما يبقى التفاهم معه الخيار الأقل كلفة.
لكنّ المشكلة في هذه المسارات أنّها، حتى لو نجحت في انتزاع تعهّدات إيرانية باحترام قواعد الاشتباك، وعدم توسيع النفوذ العسكري والأمني عبر الميليشيات التابعة لطهران، فإنّ هذه التعهّدات ستبقى منقوصة ومرحلية، لأنّها تصطدم بطبيعة نظام توسّعي لا يرى في نفوذه خارج حدوده تفصيلاً قابلاً للتخلّي عنه، بل جزءاً من هويته وأدوات استمراره.
ولم تكن هذه المسارات تهدف إلى إنهاء المشروع الإيراني، بل إلى احتوائه وإدارة مخاطره والتعايش معه، بما يحول دون انفجار المنطقة، ولكن من دون أن يضع حدّاً للأسباب التي تجعلها عرضة للانفجار باستمرار.
وماذا يعني ذلك عملياً؟ يعني إبقاء القديم على قدمه، وترحيل المواجهة من مرحلة إلى أخرى، والإبقاء على المنطقة في حالة تأهّب دائم، تتأرجح بين حرب باردة تنتظر لحظة تحوّلها إلى حرب ساخنة، وبين استقرار هشّ يبقى مشروطاً بإرادة طهران، التي تقرّر متى تهدّئ الساحات ومتى تشعلها، ومتى تستخدم أذرعها للتفاوض ومتى توظّفها للقتال.
في المقابل، هناك مسار مختلف تماماً، تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، لا يقوم على التعايش مع المشروع الإيراني، بل على مواجهته وتفكيك منظومته العسكرية والأمنية، وصولاً إلى إسقاط النظام الإيراني وإنهاء شبكة الأذرع التي بنتها طهران في المنطقة.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين مسارين: مسار يريد إدارة الصراع مع إيران وضبطه، ومسار يسعى إلى تغيير الوقائع التي أنتجت هذا الصراع. مسار يريد احتواء الخطر وتأجيل انفجاره، ومسار يريد إزالة أسبابه وإنهاء القدرة الإيرانية على استخدام المنطقة ساحةً لحروبها وأداةً لابتزاز دولها وشعوبها.
وللمرة الأولى منذ عقود، تبدو هناك إرادة جدّية للانتقال من سياسة احتواء الأذرع الإيرانية والتعايش معها إلى استهدافها بهدف إنهاء دورها، بالتوازي مع السعي إلى إسقاط النظام الذي أنشأها ومَوّلها وسلّحها ووظّفها لتوسيع نفوذه الإقليمي.
وهذا هو المسار الوحيد الذي يفتح، في حال نجاحه، الباب أمام تغيير جذري في الشرق الأوسط، ويمنح دول المنطقة وشعوبها فرصة للتحرّر من التهديد الإيراني الدائم، ومن منطق الحروب بالوكالة، ومن الاستقرار المشروط بإرادة نظام يملك القدرة على زعزعة استقرار جيرانه كلما اقتضت مصالحه ذلك.
ولا يعني هذا أنّ الدول التي تسعى إلى التفاهم مع طهران لا تفهم طبيعة الخطر الإيراني، أو أنّ خياراتها غير مفهومة. فأولويّة هذه الدول هي حماية أمنها واستقرارها، وهي تحاول تجنّب كلفة المواجهة المباشرة، وهذا أمر يمكن تفهّمه. لكنّ تفهّم حساباتها لا يغيّر حقيقة أنّ المسارات التفاهميّة، مهما حقّقت من نتائج ظرفية، لا تنهي المشكلة من جذورها، بل تبقيها قائمة بأشكال مختلفة.
إنّ الفرصة المتاحة اليوم أمام المنطقة لا تكمن في إنتاج تفاهم جديد يجمّد الصراع، ولا في رسم قواعد اشتباك جديدة تسمح لإيران بالاحتفاظ بنفوذها، بل في إنهاء المشروع الذي جعل الحروب والاضطرابات جزءاً من حياة المنطقة منذ عقود. فالتغيير الجذري وحده يتيح الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الاستقرار على أسس سيادية حقيقية.
ولا يمكن للبنان أن ينظر إلى مسار إسلام آباد باعتباره مخرجاً من أزمته، لأنّ المسألة اللبنانية ليست تفصيلاً على هامش الصراع الإقليمي، بل هي في صلب المواجهة بين الدولة والمشروع الإيراني. وتمسُّك “حزب الله” بهذا المسار هو أمر طبيعي كونه يُبقي الوصاية الإيرانية على لبنان، ويُبقي الانقلاب على الشرعية والدستور وطبيعة لبنان التعددية قائماً.
فلا يمكن بناء دولة فعلية في ظل وجود سلاح إيراني، ولا يمكن استعادة القرار اللبناني المستقل عبر تفاهمات تُبقي لطهران القدرة على التأثير في مستقبل لبنان من خلال “حزب الله”. كما لا يمكن الحديث عن استقرار مستدام فيما يبقى لبنان رهينة حسابات إيرانية لا يعرف متى تُستخدم أرضه في حرب جديدة أو متى يُفرض عليه وقفها.
إنّ المصلحة اللبنانية تقتضي النظر إلى التحوّلات الجارية في المنطقة من زاوية واحدة: هل تساهم في إنهاء الوصاية الإيرانية، واستعادة الدولة سيادتها الكاملة، وحصر السلاح والقرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الشرعية، أم تعيد إنتاج الواقع نفسه تحت عناوين جديدة؟
هذه هي المسألة التي يجب أن تحكم الموقف اللبناني، لا أسماء المسارات ولا الجهات التي ترعاها، ولا الرهانات على تفاهمات لا تعالج أصل المشكلة.
أما مسار إسلام آباد، فقد سقط عملياً بعد ساعات من ولادته، بعدما تبيّن عجزه عن الصمود أمام الوقائع التي يفترض أن يعالجها. لقد وُلد مشوّهاً، لأنّه حاول أن يفتح باب التفاهم من دون أن يحسم التناقضات الجوهرية التي فجّرت المواجهة، وأن يرسم مخرجاً للأزمة من دون أن يحدّد مصير المشروع الإيراني وأذرعه.
إنّ التمسّك بمسار إسلام آباد اليوم يشبه التمسّك بجثة مسار انتهى قبل أن يتمكّن من الحياة. فالمسارات لا تُبعث من الموت بمجرد الإصرار على إحيائها، ومذكّرات التفاهم التي تسقطها الوقائع لا تعود إلى الحياة بالكلام عنها.
وإذا لم تنتهِ المواجهة القائمة إلى تغيير جذري في موقع النظام الإيراني وقدرته على التأثير في المنطقة، فإنّ أي مسار جديد لن يكون مجرّد استكمال لمسار إسلام آباد، بل سيكون محاولة أخرى لإدارة الصراع معه، وفق معادلات وظروف مختلفة.
الخلاصة أنّ المنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما: التعايش مع المشروع الإيراني وإدارة مخاطره، بما يعنيه ذلك من ترحيل الأزمات وإبقاء الاستقرار رهينة طهران، أو الذهاب نحو تغيير جذري ينهي هذا المشروع وأذرعه ويفتح الباب أمام استقرار حقيقي. وبالنسبة إلى لبنان، فإنّ استعادة الدولة لا تمرّ عبر إحياء مسارات ماتت، بل عبر إنهاء الوصاية الإيرانية واستعادة السيادة كاملة.



