نتنياهو غيّر العقيدة القتالية الإسرائيلية… فهل يستمر مشروعه من دونه؟

شارل جبّور
لم تعد تفصلنا سوى ساعات عن اتضاح الصورة الانتخابية في إسرائيل، بعد انتخابات لم تشغل الإسرائيليين وحدهم، بل استقطبت اهتمام العالم، وتحديداً الشرق الأوسط، نظراً إلى الدور المحوري الذي باتت تؤديه إسرائيل في إعادة رسم موازين القوى العسكرية والسياسية في المنطقة، ولا سيما بعد 7 تشرين الأول 2023، حين دفع المحور الإيراني المنطقة إلى مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة.
ومن الطبيعي أن تكون نتائج هذه الانتخابات موضع ترقّب إقليمي ودولي، ليس فقط لمعرفة ما إذا كان بنيامين نتنياهو سيحتفظ برئاسة الحكومة، بل لتحديد انعكاسات هذا الاستحقاق على المسار العسكري والسياسي الذي اتبعته إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية، وعلى مستقبل المواجهة مع المحور الإيراني.
صحيح أن هناك من يعتبر أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية أصبحت واحدة، وأن أحداث 7 تشرين الأول وما تلاها أحدثت تحولاً يتجاوز الأشخاص والقيادات. لكن هذا لا يلغي الفوارق بين القادة، ولا يعني أن هوية رئيس الحكومة لا تؤثر في طبيعة القرارات العسكرية والسياسية، وفي توقيت المواجهات وحدودها وأهدافها. فثمة فارق بين من خاض هذه الحروب وقادها، ومن سيتولى المسؤولية بعده، حتى لو بقيت الثوابت الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية قائمة.
أولاً، إن خسارة نتنياهو، إذا حصلت، لن تكون خسارة شخصية له ولحزب الليكود وحلفائه فحسب، بل ستشكّل خسارة سياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب أيضاً. فترامب وضع ثقله العلني في المعركة الانتخابية، وأعلن دعمه الصريح لنتنياهو، في خطوة استثنائية تمثّلت في تدخّل رئيس أميركي مباشرة في الانتخابات الإسرائيلية لمصلحة مرشح بعينه. وبالتالي، فإن أي إخفاق انتخابي لنتنياهو سيصيب حليفه الأميركي سياسياً، وإن لم يؤدِّ بالضرورة إلى تغيير التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، القائم على مصالح متبادلة وحاجات مشتركة.
ثانياً، بصرف النظر عن فوزه أو خسارته، سيُسجَّل لنتنياهو أنه أحدث تحولاً نوعياً في إدارة الحروب الإسرائيلية. فإسرائيل التي كانت تخوض، في مراحل سابقة، حروباً محدودة نسبياً في الزمان والمكان، انتقلت في عهده إلى نمط من المواجهة المفتوحة، التي تتنقل بين جبهات متعددة، وتتواصل من دون الاكتفاء بجولة عسكرية تنتهي باتفاق أو بوقف لإطلاق النار.
لقد أسّس نتنياهو، من خلال قراراته وممارساته، لمرحلة مختلفة في التفكير العسكري الإسرائيلي، عنوانها أن التهديدات لا تُواجَه عبر عمليات موضعية ومحدودة كما كان يحصل سابقاً، بل بحروب متواصلة تستهدف تفكيك القدرات العسكرية والقيادات والبنى التي تشكّل مصدر التهديد حتى القضاء عليها. ومن هذه الزاوية، يمكن الحديث عن عقيدة نتنياهو القتالية، وهي عقيدة جديدة ارتبطت بالنهج الذي اعتمده نتنياهو.
ثالثاً، لا يمكن، في قراءة هذه المرحلة، تجاهل حجم الضربات القاصمة والوجودية وحتى المميتة التي تلقّاها المحور الإيراني، ولم يكن ليتلقاها بالضرورة لو كان في رئاسة الحكومة شخصية أخرى غير نتنياهو الذي دمّر بشخصه المحور الإيراني برمته. وهذه وقائع سياسية وعسكرية لا تتوقف دلالاتها على الموقف من نتنياهو أو على تقييم سياساته الداخلية. وهي تعكس حجم التحولات التي شهدتها المنطقة، ومدى التراجع الذي أصاب قدرات أطراف المحور الإيراني وقياداته، وإن كان ذلك لا يعني أن المواجهة معها انتهت، ولهذا السبب يريد أن يستمر في موقعه من أجل أن ينهي مهمته بإخراج المحور الإيراني من الجغرافيا وتحويله إلى صفحة منسية من التاريخ.
من هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمصير نتنياهو الشخصي، بل بمصير المشروع الذي ارتبط باسمه. فإذا فاز، سيواصل بالتأكيد المسار الذي اعتمده، وصولاً إلى إسقاط النظام الإيراني. وإذا خسر، فهل تستمر إسرائيل في النهج نفسه، أم أن القيادة الجديدة ستعيد ترتيب الأولويات وتغيّر أدوات المواجهة وأهدافها؟
صحيح أن المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية لا تتبدل بالضرورة بتبدّل الحكومات، لكن الفارق بين القادة يبقى مؤثراً في كيفية ترجمة هذه المصالح إلى قرارات وسياسات. وهذا ما يجعل الانتخابات الحالية أبعد من مجرد استحقاق داخلي إسرائيلي.
فما هي إلا ساعات، وتتضح صورة النتائج الأولية، وإن كان حسم هوية الحكومة المقبلة قد يتطلب وقتاً إضافياً. وعندها يبدأ السؤال الأهم: هل نحن أمام تجديد الثقة الإسرائيلية بنتنياهو، أم أمام مرحلة جديدة بقيادة مختلفة؟
فالمسألة لم تعد مَن يحكم إسرائيل فحسب، بل ما إذا كانت إسرائيل ستواصل الحرب بالعقيدة التي أرساها نتنياهو، أي عقيدة نتنياهو العسكرية، أم أن رحيله، إذا حصل، سيغيّر مسار المواجهة مع المحور الإيراني والمنطقة بأسرها.