نتنياهو ينتزع تفويضاً لمواصلة الحرب وتكريس عقيدته الجديدة

شارل جبّور
تجاوزت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة مسألة التنافس بين الأحزاب وتوزيع المقاعد في الكنيست، لتتحوّل إلى استفتاء سياسي على بنيامين نتنياهو، وعلى النهج الذي اعتمده منذ أحداث السابع من تشرين الأول 2023. فنتنياهو لم يعد، في نظر شريحة واسعة من الإسرائيليين، مجرد رئيس لحزب الليكود أو رئيس عادي للحكومة، بل بات زعيماً سياسياً يسعى إلى ترك بصمته على تاريخ إسرائيل، على غرار القيادات التاريخية التي طبعت مسارها منذ تأسيسها.
وبمعزل عن كيفية تشكيل الحكومة الجديدة، وما ستفرضه الحسابات الائتلافية من تسويات، فإن الدلالة الأبرز لهذه الانتخابات تكمن في أن نتنياهو خرج منها قادراً على مواصلة مشروعه السياسي والعسكري، رغم كل الانتقادات التي تعرّض لها. فالانتخابات لم تكن استفتاء على شخصه فحسب، بل على العقيدة الحربية الجديدة التي أرسى قواعدها، أو ما يُعرف بالإنجليزية بـ Netanyahu’s New War Doctrine، وعلى استعداد المجتمع الإسرائيلي لتحمّل كلفة المواجهة الطويلة في سبيل تحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز الحسابات الآنية.
تاريخياً، اعتادت إسرائيل خوض حروب قصيرة نسبياً، انطلاقاً من حرص مجتمعها على الحفاظ على نمط حياته ومستواه الاقتصادي والمعيشي. لكن نتنياهو عمل، منذ السابع من تشرين الأول، على إرساء معادلة مختلفة، عنوانها الاستعداد لخوض حروب طويلة والتعايش مع أعبائها وتضحياتها، ما دامت تفضي إلى نتائج ملموسة على مستوى الأمن الإسرائيلي وإزالة التهديدات المحيطة بإسرائيل.
وهنا تكمن أهمية التحوّل الذي تشهده إسرائيل. فالمسألة لم تعد مجرد وعود بإعادة تثبيت الردع، بل بات هناك رهان على إمكانية تغيير الوقائع الإقليمية وتفكيك التهديدات التي شكّلت لعقود مصدر قلق دائم للمجتمع الإسرائيلي. وما تعرّضت له إيران نفسها وأدوات المحور الإيراني في المنطقة من ضربات ماحقة هو جزء من مسار يراهن نتنياهو على استكماله للوصول إلى شرق أوسط مختلف، لا تبقى فيه إسرائيل تحت تهديد الحروب المتكررة والصواريخ والجبهات المفتوحة.
وينبغي ألّا يُقرأ المشهد الإسرائيلي من زاوية أسماء الفائزين والخاسرين وحدها، بل من زاوية الاتجاه الاستراتيجي الذي عبّرت عنه صناديق الاقتراع. فقد حصل نتنياهو على فرصة سياسية جديدة لمواصلة النهج الحربي الذي بدأه، فيما أظهرت الانتخابات أن هذا النهج يحظى بتأييد شريحة واسعة من الإسرائيليين، وباستعداد لتحمّل تبعاته ما دامت نتائجه تصبّ في تحقيق الأهداف الأمنية والاستراتيجية. وهذا ما يجعل مواصلة الحرب خياراً حتمياً في سياق مشروع إعادة رسم معادلات الأمن في المنطقة.
وبالتالي، فإن ما بعد الانتخابات لن يكون مجرد امتداد لما قبلها، بل سيشهد تصعيداً في المواجهة التي حظيت بتأييد شريحة واسعة من الإسرائيليين. وعلى إيران أن تقرأ جيداً نتائج الانتخابات، وأن تدرك أن المواجهة المقبلة حتمية ما دامت لم تعلن استسلامها.
أما لبنان، فلا يستطيع الاستمرار في تجاهل المخاطر المترتبة على بقاء “حزب الله” مسلحاً، لأن الضربة الكبرى الثالثة ليست احتمالاً يجوز التعامل معه باستخفاف، بل المطلوب من الحكومة اللبنانية المبادرة سريعاً إلى تنفيذ قراراتها، وحلّ التنظيم العسكري والأمني لهذا الحزب، ونزع سلاحه. فالمماطلة ستضاعف الكلفة على لبنان والتي لن يتحمّلها الحزب وحده، بل سيدفعها اللبنانيون جميعاً من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم ومستقبل بلدهم.