السؤال ليس كيف نتجنّب إغضاب الحزب، بل كيف نغضبه؟

شارل جبّور
يعبّر البعض في لبنان باستمرار عن مخاوفه من احتمال نزول “حزب الله” إلى الشارع في محاولة لإسقاط الحكومة، بعدما بات عاجزًا عن إسقاطها في البرلمان أو من داخلها، باعتباره أصبح أقلية الأقلية. وتزداد هذه المخاوف مع كل موقف يصدر عن الحزب، خصوصًا عندما يؤكد، مثلًا، أن لا حياة في لبنان إذا واجهته الحكومة، أو أن أي محاولة للمسّ بسلاحه لن تمر.
ويعبّر هذا البعض عن مخاوفه من قبيل: ماذا لو قرر الحزب استخدام الشارع أو السلاح في مواجهة الجيش والدولة ومحاصرة الحكومة؟ وردًا على هذه المخاوف، من الضروري البدء بالتفكير في هذه المسألة من زاوية مختلفة.
عندما استخدم “حزب الله” سلاحه في 7 أيار 2008، كان ذلك ردًا على قرار قطع شبكة اتصالاته الخاصة، بينما القرارات التي اتخذتها الحكومة أخطر عليه بكثير من هذا القرار، ولم ينتقل إلى المواجهة الداخلية. والقرارات التي اتخذتها تصيبه في الصميم، وتتعلق بنزع سلاحه، وبإنهاء تنظيمه العسكري والأمني، وبحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وبفتح مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل.
ومع ذلك، لم يتوسّل الشارع، طبعًا، ليس حرصًا على ما يسمى “الوحدة الوطنية” أو “السلم الأهلي”، بل لأنه يدرك كلفة أي مواجهة داخلية في هذه المرحلة أكثر مما يدرك كلفة الامتناع عنها، لأنه يواجه حصارًا جغرافيًا وعسكريًا وسياسيًا وشعبيًا، ويجد نفسه أمام واقع إقليمي مختلف، وفي ظل تراجع قدرته على الحركة والمناورة، بينما تتعرض إيران نفسها لضغوط كبيرة. ولانتقاله إلى مواجهة داخلية مع الدولة قد يكون بالنسبة إليه انتقالًا إلى معركة يعرف مسبقًا أن كلفتها ستكون مرتفعة جدًا عليه، وستقود الحكومة عندذاك إلى تنفيذ قراراتها.
وهذا ما يستدعي إعادة النظر في المقاربة السائدة، لجهة أن الدولة تتجنّب المواجهة معه تجنّبًا لتوسّله الشارع أو استخدام سلاحه، وهذا ما جعلها ويجعلها تجمّد القرارات التي اتخذتها. بينما المطلوب عكس ذلك تمامًا، أي أن تنتقل إلى الخطوات الإجرائية تنفيذًا لدستورها، بهدف استدراجه إلى مواجهة يجب أن يكون هو من يتجنبها بسبب وضعه الضعيف، وليس الدولة.
وعلى طريقة أن “أحدًا لا يشبع من رائحة الطعام الجميلة”، فإن الدولة لا يجوز أن تبقى مترددة في تنفيذ قراراتها خشية من رد فعله، بل عليها أن تختبر هذا رد الفعل، وأن تأخذ في الاعتبار أنه في أسوأ وضع له عسكريًا بفعل التقدم الإسرائيلي المستمر، وجغرافيًا بسبب الحصار المطبق عليه بين دمشق وتل أبيب، وشعبيًا بسبب التهجير، وسياسيًا بفعل رفض الحكومة مواصلة تغطية وضعيته الانقلابية. وبالتالي، إذا كان الحزب يملك القدرة على مواجهة الدولة، فإن الدولة لا تستطيع أن تتعامل مع هذا الاحتمال بمنطق التراجع المسبق. وإذا كان لا يريد المواجهة، فإن استمرار الدولة في تنفيذ قراراتها يجعله إما في تراجع مستمر أمامها، فتنجح في تحقيق هدفها بإنهاء سلاحه، وإما ينزلق إلى مواجهة داخلية يعرف هو قبل غيره حجم تداعياتها، وتؤدي في نهاية المطاف إلى تنفيذ القرارات التي اتخذتها.
لا ينبغي إطلاقًا أن يبقى السؤال: كيف يجب تجنُّب إغضاب الحزب؟ بل: كيف يفترض إغضابه؟ ويخطئ من يعتبر أن الحزب سيقدم على تغيير الستاتيكو الحالي من خلال اندفاعه في الداخل، لأنه اعتاد على هذا الستاتيكو، وهو الرابح فيه، كونه يبقي على سلاحه ويبقي لبنان منصة لإيران، وهو لن يقدم على خطوة من هذا النوع سوى في حالة واحدة، وهي صفقة بين أميركا وإيران تؤدي إلى إخراج إسرائيل، وهذا الاحتمال نسبته صفر بالمئة. وهذا يعني أن من مصلحة الدولة أن تطيح هي بهذا الستاتيكو من خلال خطوات، ولو بطيئة، عسكريًا على الأرض وعبر تنظيف الدولة العميقة، الأمر الذي يجعله بين خيارين يقودان إلى النتيجة نفسها: إذا لم يرد على خطوات الدولة، يصبح محاصرًا بشكل كامل وصولًا إلى إنهاء سلاحه، وإذا رد، يكون قد استجلب المواجهة إلى حضنه.
وإذا كان من البديهي أن تقوم الدولة بتنفيذ دستورها وقراراتها، فمن الضروري أن تستدرجه إلى مواجهة من خلال بسط سلطتها. وبالتالي، المطلوب الانتقال من سياسة تجميد القرارات خوفًا من رد فعله، إلى تنفيذ القرارات من أجل استدراجه إلى رد فعل.



