لا حاجة لاختراع قواعد جديدة: تجربة التسعينيات تقول ما يجب فعله اليوم

السلام مع إسرائيل ورؤية شارل جبّور لدروس التسعينيات وبناء الدولة اللبنانية
شارل جبّور

لا حاجة أحيانًا إلى اختراع قواعد جديدة للحكم وإدارة الأزمات. يكفي أن نعود إلى التجارب السابقة، وأن نستخلص منها القواعد التي تحكّمت بالوقائع، لنفهم ما ينبغي فعله في الحاضر.
في تسعينيات القرن الماضي، اتُّخذ قرار سياسي واضح بوضع حدّ لـ”القوات اللبنانية” ورئيسها الدكتور سمير جعجع، باعتبار أن وجودهما يشكل عقبة أمام إلحاق لبنان بنظام الأسد ووضع اليد النهائية على الدولة. فكان ما كان: حُلّت “القوات”، واعتُقل جعجع، ووُضع لبنان تحت وصاية النظام الأسدي.

والقاعدة آنذاك أننا لم نسمع أصواتًا مطالبة بتطبيق الدستور واتفاق الطائف والميثاق، وبسط السيادة وتحقيق استقلال القرار اللبناني. كان هناك تسليم، ويا للأسف، من معظم من يعملون في الشأن العام بحكم الأسد للبنان. والمطلوب اليوم هو عكس هذه المعادلة تمامًا: قيام الدولة اللبنانية الفعلية، وإزالة كل ما يحول دون قيامها.

في الأمس، جرى إبعاد فريق كان يشكل رأس حربة في التمسك بالدولة والدستور واتفاق الطائف والسيادة. أما اليوم، فإن المطلوب، بكل بساطة، إبعاد الفريق الذي يشكل وجوده رأس حربة ضد وجود دولة فعلية وتحقيق السيادة المطلوبة.
وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه بأدوات لبنانية فقط، فكما كان مستحيلًا إزاحة “القوات” من دون الأسد، فيستحيل اليوم إزاحة الحزب الإيراني في لبنان من دون الذهاب إلى السلام من دون عقد ولا كفوف، ولا يجوز بأي شكل من الأشكال أن تستمر العقلية التفاوضية على قاعدة أن المشكلة الأساسية هي إسرائيل، فيما يتم التعامل مع السبب الذي أدخل لبنان في الحرب وكأنه تفصيل ثانوي، وهذا السبب نفسه يُلحق لبنان بإيران.

المشكلة اللبنانية الأساسية هي وجود قوة عسكرية إيرانية تلبس لبوسًا لبنانيًا وتربط لبنان عسكريًا وسياسيًا بإيران. ويستحيل فك هذا الربط إلا عن طريق إما سقوط النظام الإيراني، أو السلام مع إسرائيل. وأي مقاربة تفاوضية لا تنطلق من هذا التشخيص تعني أن لبنان سيبقى ملحقًا بإيران.

من الضروري جدًا استلهام تجربة حافظ الأسد في طريقة التعامل مع “حزب الله”، ولا يجوز التردُّد لحظة واحدة، ولا النظر إلى الخلف، ولا البحث عن تسويات، والذهاب قدمًا إلى السلام الآن، لأن المشكلة التي تعيق الطريق إلى لبنان دولة طبيعية ومستقرة هي الدور الإيراني في لبنان، وليس الدور الإسرائيلي.

لقد أُهدرت فرص كثيرة. أُهدرت فرصة الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، وأُهدرت فرصة القرار 1559، ثم أُهدرت فرصة القرار 1701، ثم أُهدرت فرصة تفاهمات 27 تشرين الثاني 2024 التي نصّت بوضوح على حصرية السلاح بيد الدولة، وعلى منع “حزب الله” من حيازة السلاح ومن القيام بأعمال عسكرية ضد إسرائيل.

كم فرصة يحتاج لبنان بعد حتى يتعلم أن تأجيل معالجة أصل المشكلة لا يؤدي إلى حلها؟ التجربة تقول إن المشكلة التي لا تُحل في وقتها تتحول إلى أزمة أكبر، وإن الفرص الضائعة لا تعود بالشروط نفسها. ومن هنا، فإن إدارة التفاوض تحتاج قبل أي شيء إلى وضوح في تعريف الهدف. لا يمكن أن يكون الهدف مجرد ترتيب انسحاب إسرائيلي أو وقف جولة جديدة من القتال، فيما يبقى لبنان محتفظًا بالبنية العسكرية الإيرانية التي جعلت الحرب ممكنة في الأساس.
فالانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى والنازحين، وإعادة الإعمار، كلها ملفات مهمة، لكن معالجة جذور الأزمة تتطلب قبل أي شيء إنهاء الوضعية التي جعلت من لبنان ساحة للمواجهة بين إسرائيل وإيران.

والولايات المتحدة ضرورية في رعاية هذا المسار، لكن واشنطن، مهما كان دورها مهمًا، تبقى بعيدة عن بيروت، فيما تل أبيب أقرب إلى بيروت، ولا يجوز تكرار خطأ ثمانينيات القرن الماضي بالربط مع الولايات المتحدة لعدم جرح مشاعر القوى المعقدة أو الانقلابية.

صحيح أن إسرائيل تقوم بما يخدم مصالحها الأمنية، لكن لبنان الدولة المستفيد الأول من ذلك. فلولا إسرائيل لما خرجت الثورة الفلسطينية، ولولاها لما خرج الأسد، ولولاهم اليوم لما كان بالإمكان إضعاف الوضعية العسكرية الإيرانية. السؤال الذي على كل مواطن أن يسأله لنفسه: هل المطلوب دولة فعلية في لبنان؟ إذا كان الجواب نعم، فلا يمكن إرساء بنية دولة في ظل مشاريع خارجية مسلحة، ومن أنهى هذه المشاريع هي إسرائيل، وهذا ما يجعل السلام معها ضروريًا انطلاقًا من المعادلة العسكرية والأمنية التي تربط البلدين معًا: لا يمكن استهداف إسرائيل من دون إسقاط الدولة في لبنان، وفي كل مرة أُسقطت فيها الدولة، استهدفت إسرائيل.

ولا يجوز التعامل مع السلام كملف حدودي أو تقني بين دولتين، بل يجب التعامل معه كجزء من مسار لإخراج لبنان من منطق الساحات والمحاور والحروب المفتوحة، ووضعه على قاعدة الدولة الفعلية صاحبة القرار العسكري والأمني.
لقد جُرّبت في لبنان سياسة تأجيل الحلول، وجُرّبت سياسة انتظار الظروف الإقليمية، وجُرّبت سياسة استبدال إسرائيل بأميركا، وجُرّبت سياسة تدوير الزوايا. والنتيجة كانت دائمًا مزيدًا من الأزمات والفرص الضائعة. آن الأوان للتعلم من التجربة.

وبالعودة إلى استهلالية المقال، فإذا كانت قاعدة التسعينيات قد قامت على إزالة من اعتُبر عائقًا أمام مشروع الوصاية الأسدية، فإن قاعدة اليوم يجب أن تكون مختلفة تمامًا: إزالة كل ما يعوق قيام الدولة الحقيقية، ولكن باسم الدستور والقانون والسيادة، لا باسم الوصاية والانقلاب عليها.

وهذه المرة، لا يجوز أن تضيع الفرصة، والطريق الوحيد إلى ذلك السلام مع إسرائيل.