الانتخابات النصفية دقّت ناقوس الخطر: أميركا في خطر

شارل جبّور
لم يكن الحدث الأبرز في الانتخابات النصفية الأميركية خسارة الجمهوريين المدوّية في مجلسَي الكونغرس فحسب، بل إنّ حدثاً آخر استأثر باهتمام واسع، تمثّل في انتخاب عبد الرحمن محمد السيد، المعروف بعبدول السيد (Abdul El-Sayed)، أول مسلم يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي. وقد جرى تقديم هذا الانتخاب باعتباره حدثاً تاريخياً موازياً للتحوّل السياسي الذي أفرزته الانتخابات.
لا حاجة إلى التذكير بأنّ عشرات الأميركيين من أصول لبنانية مسيحية وصلوا إلى مواقع سياسية متقدمة في الولايات المتحدة، وانتُخبوا أعضاء في مجلسَي الشيوخ والنواب، كما وصل متحدّرون من أصول لبنانية إلى مواقع قيادية في دول أخرى. ولم يكن ذلك يوماً حدثاً استثنائياً بالنسبة إلى اللبنانيين المسيحيين، الذين يعتبرون اندماج أبنائهم في أوطانهم الجديدة قيمة إنسانية كبرى. فالمواطن الفرنسي، مثلاً، قد يثق بالنائب الفرنسي من أصول لبنانية أكثر من ثقته بنائب فرنسي من أصول فرنسية، إذا وجد أنّ الأول يضع المصلحة الفرنسية العليا في مقدّم أولوياته. فالانتماء إلى الدولة التي تحتضن الإنسان، والولاء لها، والدفاع عن نظامها وقيمها، أمور طبيعية وبديهية في ثقافة الاغتراب المسيحي اللبناني. فالمسيحي اللبناني الذي يصبح أميركياً أو كندياً أو فرنسياً أو أرجنتينياً لا يتخلّى عن جذوره، لكنه يتبنّى في الوقت نفسه قيم وطنه الجديد، وفي مقدّمها الحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان وأولوية الفرد والاستقرار.
وهنا تكمن المسألة الجوهرية التي تستحق التوقف عندها، وهي مسألة الانتماء والولاء، لا الهوية الدينية بحد ذاتها.
كنت أقول لأحد الأصدقاء، تعليقاً على انتخاب السيد، إنّ ثمة فارقاً ألاحظه بين تجربة المسلمين في الولايات المتحدة وتجربتهم في أوروبا. ففي أوروبا، برزت تيارات إسلامية سياسية تتعامل مع النظام القائم باعتباره خصماً ينبغي تغييره، بل عدواً ينبغي إسقاطه، وتتعامل مع القيم الغربية بوصفها نقيضاً لمشروعها. أما في الولايات المتحدة، فيبدو أنّ قسماً من هذه التيارات يتعامل مع النظام باعتباره مساحة للاندماج والعمل السياسي والوصول إلى مواقع التأثير. وجوهر الفكرة أنّ الإسلام السياسي في أميركا لا يصطدم بالـ«سيستم» منذ البداية، بل يسعى إلى العمل من داخله والاستفادة من آلياته، فيما تتعامل تيارات إسلامية في أوروبا مع النظام باعتباره خصماً تسعى إلى تغييره وإسقاطه.
فكان ردّ صديقي أنّ التسرّع في استخلاص النتائج غير جائز، لأنّ نسبة المسلمين في الولايات المتحدة لا تزال أقل بكثير من نسبتهم في بعض المجتمعات الأوروبية، وأنّ الاندماج الظاهر اليوم لا يعني بالضرورة أنّ التحوّلات المستقبلية ستكون مماثلة. وأضاف أنّ هذه التيارات قد تستثمر في الحريات والديمقراطية، وتستخدم أدوات النظام ومؤسساته للوصول إلى مواقع النفوذ، وعندما يصبح لديها من القوة ما يسمح لها بالتأثير في طبيعة النظام، قد تنتقل من مرحلة التكيّف معه إلى مرحلة محاولة تغييره وفرض أولوياتها الأيديولوجية على المجتمع.
قد يكون في هذا التحذير ما يستحق النقاش، وهو يطرح سؤالاً لا يجوز للغرب تجاهله: هل يكفي أن يشارك أي تيار في الانتخابات ويحترم آليات الوصول إلى السلطة كي نطمئن إلى التزامه العميق بقيم النظام الديمقراطي ومبادئه؟ أم أنّ المطلوب أيضاً التمييز بين الاندماج في الدولة، وبين استخدام مؤسساتها لتغيير طبيعتها؟
سبق لسياسي لبناني مسيحي أن قال، في معرض حديثه عن الانتشار، إنّ المسيحي اللبناني يصبح كندياً وأميركياً وفرنسياً وألمانياً وأرجنتينياً، فيما يحافظ المسلم على هويته الإسلامية قبل أي انتماء آخر. وقد أراد بذلك الإشادة بتمسّك المسلم بهويته، لكنّ هذه المقاربة تطرح إشكالية حقيقية إذا تحوّلت الهوية الدينية إلى مرجعية تتقدّم على الانتماء الوطني والولاء للدولة. فالانتماء إلى الوطن الجديد لا يتناقض مع الاحتفاظ بالجذور، لكنه يقتضي أن تكون المواطنة والدولة والقانون هي المرجعية السياسية العليا.
ومن المفيد هنا التمييز بين الإسلام الذي يتعايش مع الدولة الوطنية ويحترم سيادتها، وبين الإسلام السياسي الذي يضع مشروعه الأيديولوجي فوق الدولة وحدودها ومؤسساتها. وفي هذا السياق، تبرز أهمية النموذج الخليجي الذي أعطى الأولوية للدولة والكيان الوطني، وواجه المشاريع القومية العابرة للحدود ومشاريع الإسلام السياسي. وهذه قيمة ينبغي أن تتعزز، لأنّها تساهم في ضبط الدينامية الإسلامية ضمن إطار الدولة الوطنية، لا في مواجهتها. وهنا تبرز أهمية الدول الخليجية ودورها.
إنّ الغرب مطالب بأن يتنبّه إلى هذه المسألة قبل فوات الأوان. فالحريات التي تشكّل مصدر قوته لا يجوز أن تتحوّل إلى مدخل لتقويض أسسه، والديمقراطية التي تتيح تداول السلطة لا ينبغي أن تصبح حصان طروادة لمشاريع لا تؤمن فعلياً بالقيم التي تتيح لها الوصول إلى السلطة.
وانطلاقاً من ذلك، لا تكمن المسألة في كون عبدول السيد أول مسلم يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي، ولا في ديانته أو أصوله، بل في طبيعة المشروع السياسي الذي يتبنّاه، ومدى انسجام مواقفه وبرنامجه مع قيم الدولة الأميركية ونظامها. ومن حق المجتمع الأميركي، كما من حق أي مجتمع ديمقراطي، أن يناقش هذه المسألة وأن يحاسب ممثليه على مواقفهم وبرامجهم، لا أن يكتفي بالاحتفاء بالسابقة التاريخية أو يتجاهل دلالاتها السياسية.
فليس المطلوب من الغرب أن يتخلّى عن ديمقراطيته، بل أن يدافع عنها، وأن يضع الضوابط التي تمنع استغلالها من جانب أي تيار يسعى إلى تقويضها من داخلها. فالحرية لا تعني تسليم المجتمعات بمفاتيحها لمن يريد تغيير طبيعتها، والديمقراطية لا تعني التخلّي عن حق المجتمعات في حماية نظامها وقيمها.
والناخب الأميركي بحاجة إلى وعي أكبر لطبيعة المشاريع السياسية التي يصوّت لها. فلا يكفي أن تتبنّى شخصية سياسية تتمتع بكاريزما قيادية مطالب شرائح واسعة من الأميركيين كي تستحق أصواتهم، بل ينبغي التمعّن في مجمل مشروعها السياسي، وفي مواقفها من الدولة ومؤسساتها وقيمها. فالمحاسبة الديمقراطية لا تقتصر على الشعارات الاجتماعية والاقتصادية، بل تشمل أيضاً الالتزام بالمبادئ التي قام عليها النظام الأميركي.
لقد كشفت الانتخابات النصفية أنّ الولايات المتحدة أمام تحدّيات سياسية وفكرية لا يجوز الاستهانة بها. والخطر لا يكمن في وصول مسلم إلى مجلس الشيوخ، بل في أي مشروع سياسي، أياً كانت هويته الدينية أو الأيديولوجية، يسعى إلى استغلال الديمقراطية لتقويض أسسها. وعلى أميركا أن تدق ناقوس الخطر مبكراً، وأن تدافع عن نظامها قبل أن تجد نفسها أمام أزمة يصعب احتواؤها.



