بين 11 أيلول و7 تشرين الأول: الممانعة تنهي نفسها بنفسها

الممانعة بين هجمات 11 أيلول 2001 وأحداث 7 تشرين الأول 2023 وتحولات المشروع الإيراني في المنطقة
شارل جبّور

أطلقت الولايات المتحدة الأميركية اندفاعة غير مسبوقة باتجاه الشرق الأوسط على أثر هجمات 11 أيلول 2001 الإرهابية، والتي يتزامن اليوم الذكرى الخامسة والعشرون لهذه الهجمات التي أدت إلى إسقاط نظامَي طالبان وصدام، وإلى تغيير كبير في موازين المنطقة. ويبقى السؤال مشروعًا بعد ربع قرن: هل كانت هذه الاندفاعة الأميركية خطأً استراتيجيًا، أم أنها كانت جزءًا من مسار مقصود لتغيير وجه المنطقة؟
فالولايات المتحدة، بإسقاطها نظام صدام حسين، أسقطت في الوقت نفسه حاجزًا أساسيًا كان يفصل النظام الإيراني عن التمدد غربًا. وبدلًا من أن تؤدي الحرب على الإرهاب إلى محاصرة إيران، استفادت طهران من الفراغ العراقي، وانطلقت في مشروعها التوسعي عبر بناء ورعاية شبكة من الميليشيات المسلحة في العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن، وصولًا إلى تحويل ما سُمّي “محور الممانعة” إلى مشروع إقليمي عابر للحدود.

لكن المفارقة أن إيران، بدلًا من أن تستفيد من هذه اللحظة التاريخية لتتحول إلى دولة طبيعية ذات دور إقليمي كبير، كشفت عن وجهها الحقيقي، وأظهرت أن الخطر الذي يهدد المنطقة لا يأتي فقط من تنظيمات إرهابية مثل القاعدة وداعش، بل أيضًا من إرهاب الدول، ومن الدول التي ترعى هذه التنظيمات وغيرها، كما ترعى الإرهاب وتموّله وتسلّحه وتستخدمه أداةً في سياستها الخارجية.

وهنا بدأت المعادلة بالانقلاب على أصحابها. فكلما تمددت إيران، وكلما انتشرت ميليشياتها، وكلما ازداد تدخلها في الدول العربية، وكلما تحولت المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، تراجعت أولوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي لمصلحة صراع آخر عنوانه: كيف يمكن مواجهة المشروع الإيراني الذي يهدد دول المنطقة واستقرارها؟
وبهذا المعنى، قدّمت إيران خدمة استراتيجية لإسرائيل من حيث لا تريد، إذ ساهمت سياساتها في نقل الخطر، في نظر قسم متزايد من العالم العربي والإسلامي، من إسرائيل إلى المشروع الإيراني نفسه.

وفي هذا السياق، يمكن فهم التحولات التي سبقت 7 تشرين الأول 2023، كما يمكن فهم ما تلاه. فإذا كانت هجمات 11 أيلول قد أطلقت مسارًا أميركيًا واسعًا غيّر وجه الشرق الأوسط، وأفضى لاحقًا إلى خروج الجيش الأسدي من لبنان عام 2005، فإن 7 تشرين الأول 2023 جاء ليكشف بصورة أكثر وضوحًا طبيعة المحور الإيراني وأدواته، ويفتح مرحلة جديدة من استهداف هذا المحور وتفكيك حلقاته.

وقد شكّلت أحداث 7 تشرين الأول نقطة تحوّل استراتيجية أصابت بنية المحور الإيراني بأكملها. ومع الحرب، تلقى “محور الممانعة” ضربات قاسية في غزة ولبنان وسوريا، وصولًا إلى سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، وهو ما قطع واحدة من أهم حلقات الوصل الجغرافية في المشروع الإيراني.

وإذا كانت 11 أيلول قد أطلقت مسارًا أطاح بحاجز أساسي أمام تمدد إيران، فإن 7 تشرين الأول وما تلاه أطلق مسارًا معاكسًا: مسارًا يستهدف البنية التي بنتها إيران طوال عقود. وهكذا، فإن الممانعة، بكل ما راكمته من قوة ونفوذ وميليشيات وشعارات، ارتكبت خطأها الاستراتيجي الأكبر: أطلقت الرصاص على رأسها، لا على رجلها.

فهي، بإصرارها على التوسع واستخدام العنف والسلاح خارج الدولة والميليشيات، كشفت نفسها، واستنزفت نفسها، ووحّدت خصومها ضدها، وحوّلت نفسها من مشروع “مقاومة” كما كانت تقدّم نفسها كذبًا وزورًا إلى مشروع إقليمي يهدد الدول والمجتمعات والاستقرار.

وما نشهده اليوم ليس نهاية هذا المسار بعد، لكنه بالتأكيد أقرب إلى نهايته مما كان عليه في أي مرحلة سابقة. إيران تواجه ضغوطًا اقتصادية ومالية وسياسية متزايدة، ومحورها الإقليمي تلقى ضربات غير مسبوقة، وأدواتها العسكرية باتت مكشوفة، والبيئة التي سمحت لها بالتمدد طوال عقود لم تعد البيئة نفسها. والخيار أمام النظام الإيراني إما الاستسلام، وإما السقوط نتيجة فوضى في الداخل بسبب الخنق الاقتصادي الذي يتعرض له، وإما أن يندفع عسكريًا، فتكون الحرب هذه المرة نهايته.

ولا بد، في هذه الذكرى الأليمة، ذكرى 11 أيلول، من التوقف أولًا أمام الضحايا الذين سقطوا، وإدانة الإرهاب بكل أشكاله، وتوجيه التحية إلى كل من واجه الإرهاب ودفع ثمن مواجهته. والدرس الأهم الذي يجب أن يبقى حاضرًا هو أن أسوأ أنواع الإرهاب هو إرهاب الدول. فالإرهابي الفرد يستطيع أن ينفذ عملية ويتم توقيفه فورًا، لكن قدرته على بناء شبكات وتمويلها وتسليحها وحمايتها تبقى محدودة ما لم تقف خلفه دول وأنظمة توفّر له البيئة والموارد والغطاء.

لم يكن أسامة بن لادن قادرًا على بناء ما بناه من دون البيئة الإقليمية التي احتضنت الإرهاب ومكّنته من التمدد. ولذلك، فإن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على ملاحقة الأفراد والتنظيمات، بل يجب أن تركّز على الدول التي ترعى الإرهاب وتستخدمه أداةً في سياستها.

واليوم، تبقى إيران الدولة الأبرز التي ترعى هذا النوع من الإرهاب، عبر دعمها للميليشيات والتنظيمات المسلحة، وتمويلها وتسليحها، ومحاولتها فرض مشروعها التوسعي على دول المنطقة. لذلك، فإن إسقاط النظام الإيراني، وإعادة إيران إلى دولة طبيعية، وإنهاء دورها في رعاية الإرهاب والميليشيات، لا يشكلان خدمة لإسرائيل أو لدولة بعينها، بل خدمة للمنطقة وللإنسانية جمعاء.

وبين 11 أيلول 2001 و7 تشرين الأول 2023، يمكن قراءة مسار واحد، وإن اختلفت محطاته: الإرهاب الذي ظنّ أنه قادر على تغيير العالم، انتهى إلى القضاء على نفسه. وقد تبيّن أن الممانعة، في نهاية المطاف، لا تحتاج إلى من يهزمها بقدر ما تحتاج إلى أن تستمر في ما تفعله، لأنها بذلك تنهي نفسها بنفسها.