أميركا تتدخل يا عمار… وإيران ماذا تفعل؟

علي عمار والجدل حول السيادة اللبنانية والتدخل الأميركي والنفوذ الإيراني في لبنان

خرج النائب علي عمار ليحاضر في السيادة، متهمًا الولايات المتحدة بالتدخل السافر في الشأن اللبناني وانتهاك قرار الدولة وفرض خياراتها على اللبنانيين، وطالب واشنطن برفع يدها عن لبنان. ومن حيث المبدأ، لا اعتراض على مطالبة أي دولة خارجية بعدم التدخل في الشأن اللبناني. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح السيادة في قاموس الحزب انتقائية: التدخل الأميركي مرفوض ومدان، أما التدخل الإيراني فيبدو وكأنه حق مكتسب لا يستوجب حتى السؤال.

فماذا تسمّي يا علي عمار علاقة حزبك بإيران؟ من أين أتى السلاح الذي راكمه الحزب طوال عقود؟ من أين أتى التمويل والدعم والتدريب؟ ومن هي المرجعية السياسية والعقائدية التي أعلن الحزب مرارًا التزامه بها؟ وكيف يمكن لنائب في كتلتك أن يقول إن لدى الحزب “مسارًا سياسيًا مرتبطًا بالجمهورية الإسلامية الإيرانية”، ثم تخرج أنت في اليوم نفسه تقريبًا لتطالب الآخرين باحترام استقلال القرار اللبناني؟

إذا كان بيان صادر عن سفارة أجنبية يشكّل في نظرك انتهاكًا للسيادة، فماذا عن دولة بنت في لبنان نفوذًا عسكريًا وسياسيًا يمتد من السلاح إلى القرار؟ وماذا عن تنظيم لبناني يربط خياراته الاستراتيجية بطهران، ويعتبر الولي الفقيه مرجعية له، ثم يحتفظ لنفسه بحق تقرير الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة؟ أليس هذا تدخلًا سافرًا أيضًا، أم أن التدخل يصبح مقبولًا عندما يأتي من الجمهورية الإسلامية؟

وليس اللبنانيون وحدهم من تحدثوا عن هذا النفوذ. قاسم سليماني نفسه تباهى بعد انتخابات 2018 بأن حلفاء إيران باتوا يملكون أكثرية من 73 نائبًا في المجلس النيابي اللبناني. لم يكن الحديث يومها عن إنجاز للدولة اللبنانية، بل عن إنجاز لمحور إيران. فماذا يُسمّى عندما يتحدث مسؤول عسكري إيراني عن عشرات النواب اللبنانيين بوصفهم رصيدًا سياسيًا لمحوره؟ نفوذًا؟ وصاية؟ تدخلًا؟ أم أن كل هذه المفردات محظورة عندما يكون الفاعل إيرانيًا؟

عمار يقول إنه يريد دولة قوية وقادرة ومستقلة في قرارها وقوية بجيشها. وهذا كلام ممتاز لو اكتملت الجملة. فالدولة القوية بجيشها لا يمكن أن يوجد إلى جانب جيشها تنظيم مسلح أقوى من مؤسساتها في بعض الملفات، والدولة المستقلة في قرارها لا يكون فيها فريق سياسي وعسكري مرتبطًا بمسار دولة أخرى، والدولة ذات السيادة لا يتوزع فيها قرار الحرب بين مجلس الوزراء وتنظيم ينتظر حسابات طهران الإقليمية.

من يريد فعلًا أن يدافع عن السيادة لا ينتقي الجهة التي يتهمها بالتدخل بحسب موقعها من حزبه. يقول لواشنطن ارفعي يدك، ويقول لطهران الكلام نفسه. يرفض الإملاءات الأميركية ويرفض أيضًا أن يكون القرار اللبناني ورقة في يد إيران. وإذا كان عمار صادقًا في قوله إن اللبنانيين يريدون دولة قوية بجيشها، فالبداية واضحة: يكون السلاح للجيش، ويكون قرار الحرب والسلم للدولة، وتنتهي كل مرجعية خارج الحدود.

المشكلة ليست في أن علي عمار يرفض التدخل الأميركي؛ من حقه أن يرفضه. المشكلة أنه يريد من اللبنانيين أن يصدقوا أن السيادة تُنتهك برسالة من سفارة، لكنها لا تُنتهك بسلاح وتمويل ونفوذ وقرار سياسي مرتبط بدولة أجنبية.
هذه ليست سيادة.
هذه سيادة على القطعة.

يا علي عمار، قبل أن تطلب من أميركا أن ترفع يدها عن لبنان، اسأل حزبك أولًا: متى ترفع إيران يدها عن قراره؟