بري والحزب الإيراني: لا تمايز بل توزيع أدوار

نبيه بري والعلاقة السياسية مع الحزب الإيراني وتوزيع الأدوار في لبنان
شارل جبّور

على الرغم من أن من استمع إلى كلمة رئيس مجلس النواب نبيه بري في مناسبة تغييب الإمام موسى الصدر خرج بانطباع واضح بأنه لا تمايز فعلياً بينه وبين الحزب الإيراني في لبنان، وأنهما يتكلمان اللغة نفسها ويستخدمان الأدبيات نفسها، وأنهما في وحدة استراتيجية واضحة، سيخرج اليوم من يقول لنا إن الرئيس بري “مضطر” إلى قول هذا الكلام، أو إن مواقفه المعلنة لا تعكس حقيقة مواقفه في المجالس المغلقة، وإنه يقول في السر كلاماً مختلفاً عما يقوله في العلن.

كل من يلجأ إلى هذا التبرير إنما يواصل السماح بالضحك عليه، ويعيش في حالة إنكار، ويصرّ على التعامل مع رئيس مجلس النواب كما يتمنى أن يكون، لا كما هو في مواقفه المعلنة. فمن يريد أن يعمل في الحقل العام، ولا سيما في السياسة، عليه أن يتعامل مع المواقف المعلنة، لا مع المواقف المضمرة، ولا مع ما يُقال إنه قيل في الغرف المغلقة. ما يعنينا هو ما يعلنه المسؤول أمام اللبنانيين وأمام العالم، وما يعلنه الرئيس بري هو نسخة تكاد تكون طبق الأصل عمّا يعلنه حليفه وشريكه الاستراتيجي الحزب الإيراني.

وهذه الازدواجية تحديداً، أي أن يقال في السر كلام مختلف عن الكلام المعلن، بددت على الفريق السيادي في لبنان أكثر من عقدين من الزمن، وأبقت رهانات قائمة على وجود “تمايز” بين بري والحزب، فيما الوقائع والمواقف تثبت عكس ذلك. والأخطر أن هذه الرهانات لم تكن لبنانية فقط، بل تبنّتها عواصم ودول لا تزال تراهن على أن الرئيس بري يمكن أن يكون مختلفاً عن الحزب الإيراني.

وهذه الازدواجية تشكل جزءاً من “عدة شغل” الفريق الإيراني في لبنان، وهي في جوهرها توزيع متقن للأدوار. لقد آن الأوان لوضع حد لهذا الوهم الذي كلّف لبنان واللبنانيين الكثير من الوقت والفرص. ماذا يعرض الرئيس بري اليوم على لبنان واللبنانيين؟
هو يرفض اتفاق الإطار، ولا يريد المسار الدبلوماسي القائم، ويرفض أن تسلك الدولة طريق التفاوض لمعالجة الحرب وتثبيت سيادتها. حسناً، إذا كان يرفض الدبلوماسية، فما البديل؟ هل يريد الحرب؟ بالتأكيد لا يريد الحرب، ليس لأنه هُزم في جولتي 8 تشرين الأول 2023 و2 آذار 2026 فحسب، بل لأنه يدرك أن هذا الفريق، في قرارة نفسه، أعجز من أن يواجه إسرائيل. هو يريد المواجهة بالشعارات، لا بالوقائع، وهو يلوم إسرائيل لأنها تعاملت مع هذه الشعارات بجدية، ودخلت معه في الحرب.

والحالة التي يمثلها الثنائي الشيعي اليوم هي في أضعف وضعية لها منذ تأسيسها، بعدما تلقّت ضربة استراتيجية وعسكرية كبرى في مواجهة إسرائيل. وبالتالي، لا الحرب خيار واقعي، ولا السلام والتفاوض خيار مرغوب لديه.

فماذا يريد إذاً؟ يريد إبقاء لبنان في المنطقة الرمادية نفسها: لا حرب ولا سلام. فالمسار الدبلوماسي، إذا نجح في إنهاء الحرب، يعني حكماً الاقتراب من إنهاء الحالة الشاذة التي كرّستها إيران في لبنان، وفي مقدمها بقاء سلاح الحزب خارج سلطة الدولة.

والخيار الآخر الذي يريده هو أن تعود الدولة إلى أداء الدور الذي أدته في مراحل سابقة، فتضع إمكاناتها الدبلوماسية وعلاقاتها الدولية في خدمة إبقاء الأداة الإيرانية حيّة في لبنان، في تكرار لسيناريوهات 1993 و1996 و2006، حيث تحولت الدولة إلى مظلة سياسية ودبلوماسية لحماية واقع السلاح الإيراني.

الرئيس بري يريد من الدولة أن تتولى إدارة الصراع بما يحفظ السلاح، لا أن تنهي الصراع بما ينهي الحالة الشاذة. لا يريد أن تنهي الدولة الحرب عبر مسار سياسي ودبلوماسي يفضي إلى قيام دولة فعلية، بل يريد أن تستخدم الدولة دبلوماسيتها وعلاقاتها الخارجية لضمان استمرار الحالة الشاذة القائمة.

وعندما يقول: “أنا أضمن ألا تُطلق رصاصة واحدة من الجنوب”، فإن كلامه يأتي في السياق نفسه لمعزوفة أن السلاح “قضية داخلية” تُناقش بين اللبنانيين، أي العودة إلى حوار الطرشان الذي يريده الثنائي بهدف إبقاء السلاح الإيراني خارج سلطة الدولة.

لذلك، لا ينبغي للبنانيين أن يسألوا عمّا يقوله الرئيس بري في الغرف المغلقة، ولا أن يراهنوا على “تمايز” لا يظهر في المواقف المعلنة. المطلوب أن تُقرأ مواقفه كما هي، لا كما يرغب البعض في أن تكون. وعندها تصبح الصورة أكثر وضوحاً: لسنا أمام موقفين مختلفين، بل أمام هدف واحد وتوزيع للأدوار: إبقاء لبنان في حالة لا حرب ولا سلام، وإبقاء السلاح الإيراني خارج سلطة الدولة.
والرد الأفضل على الرئيس بري يجب أن يأتي من الدولة نفسها: الدولة لم تعد أداة بيد الثنائي الشيعي. الدولة لم تعد غطاءً لهذا الثنائي. الدولة لن تبقى متفرجة على دمار البلد وموت شعبه. الدولة لن تقبل استمرار حالة اللا حرب واللا سلم التي تُبقي لبنان ساحة إيرانية. الدولة اختارت الدبلوماسية لإنهاء الحرب، وليس لإدارة الحرب إلى ما لا نهاية. فإذا كان الرئيس بري يريد الحرب، فليتفضل ويعلن ذلك صراحةً. أما إذا كان لا يريد الحرب، فعليه أن يفسح المجال أمام الدولة لتسلك طريق الدبلوماسية حتى نهايته. فإما أن تكون الدولة دولة، أو أن تبقى أداة لحماية السلاح الإيراني. ولم يعد هناك مجال للجمع بين الاثنين.