ما لم ينتفض الشيعة في لبنان ضد الحزب الإيراني، ستتواصل معاناتهم فصولًا

معاناة الشيعة في لبنان والدمار والتهجير والدعوة إلى مراجعة

يخطئ كل من يعتقد أن إسرائيل، بعد ما تعتبره انتصارًا عسكريًا، ستنسحب تلقائيًا من المناطق التي باتت موجودة فيها. الانسحاب لن يكون مطروحًا ما لم تُنزع قدرة الحزب الإيراني على تهديد أمنها، ولن تعود قواعد الاشتباك التي كانت قائمة قبل 8 تشرين الأول 2023، وكأن شيئًا لم يحدث.

إسرائيل لن تتخلى بسهولة عن المعادلة الأمنية الجديدة التي فرضتها الحرب، وستبقي وجودها حيث ترى أن ذلك ضروري لحماية سكان شمالها ومنع تكرار ما حصل في 7 تشرين الأول. وبالتالي، من يعتقد أن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، واهم.

وما لم يتغير واقع السلاح الإيراني، فإن الاستنزاف سيستمر، وكذلك التدمير والتهجير والهجرة، وستبقى عودة الأهالي إلى مناطقهم مرتبطة بتبدّل المعادلة الأمنية والسياسية. وبمعنى أوضح: لا يمكن بناء عودة مستقرة على أنقاض السلاح الذي أدى إلى هذه الكارثة.

المفارقة الكبرى أن البيئة الشيعية في لبنان تدفع الثمن الأكبر لهذه المعادلة. وهي تواجه اليوم واقعًا لم تعرف مثيلًا له في تاريخها الحديث: قرى مدمرة، عائلات مهجّرة، اقتصاد منهك، ومستقبل غامض، فيما ارتبط اسمها، ظلمًا في كثير من الأحيان، بحزب بات مصنّفًا إرهابيًا في دول عدة، وأصبح وجوده عاملًا إضافيًا في عزل لبنان عن محيطه العربي والدولي.

والأخطر أن هذه البيئة دفعت أثمانًا باهظة نتيجة الخيارات التي اتخذها الحزب: من القتال في سوريا، إلى الحروب مع إسرائيل، إلى تحويل مناطق لبنانية بأكملها إلى ساحات مواجهة، وصولًا إلى ربط قرار الحرب والسلم في لبنان بمشروع إقليمي لا يملك اللبنانيون قرارًا مستقلًا بشأنه.

لذلك، فإن استمرار المعاناة ليس قدرًا مفروضًا على الشيعة في لبنان، بل يرتبط أيضًا بمدى قدرتهم على مراجعة الخيارات التي أوصلتهم إلى هذه النتيجة.

لقد آن الأوان لأن تقول البيئة الشيعية، وبصوت واضح، للحزب الإيراني: لسنا بيئتك الحاضنة إلى الأبد، ولسنا مستعدين لدفع ثمن رهاناتك إلى ما لا نهاية. لقد تحملنا منك الكثير، ودفعنا من أبنائنا وقرانا ومستقبلنا أثمانًا باهظة.

لقد وعدتنا بأن سلاحك سيحمينا، فإذا به يضعنا في قلب الحروب. ووعدتنا بأن مشروعك سيعزز موقعنا، فإذا به يعزلنا عن محيطنا العربي والدولي. ووعدتنا بأن خياراتك ستؤدي إلى النصر والاستقرار، فإذا بنا أمام الدمار والتهجير والخوف وعدم اليقين.

المطلوب ليس الانتقام من الشيعة، بل تحريرهم من معادلة جعلتهم يدفعون ثمن قرارات لم يتخذوها جميعًا، ولا يستطيعون الاستمرار في تحمل نتائجها.

والمخرج يبدأ من موقف واضح: لا دولة مستقرة مع سلاح خارج الدولة، ولا أمن مع قرار حرب وسِلم خارج المؤسسات الشرعية، ولا عودة حقيقية للمهجّرين ما لم تتغير الأسباب التي دفعتهم إلى النزوح.

لذلك، فإن المسؤولية اليوم تقع أيضًا على عاتق أبناء البيئة الشيعية أنفسهم: أن يرفعوا صوتهم، وأن يقولوا للحزب الإيراني إن زمن الرهانات الخاطئة قد انتهى، وإن حماية الناس لا تكون بجرّهم إلى الحروب، وإن كرامتهم ومستقبل أبنائهم لا يمكن أن يبقيا رهينة مشروع إيراني.

لقد آن أوان قول الحقيقة كاملة: الحزب الذي قال إنه يحمي بيئته أوصلها إلى واحدة من أقسى المراحل في تاريخها. وإذا كانت هذه البيئة تريد إنهاء معاناتها، فعليها أن تبدأ بإنهاء المعادلة التي صنعت هذه المعاناة.