صدّعوا رؤوس اللبنانيين بالتدقيق الجنائي… حتى جاء من يطبّقه

التدقيق الجنائي في ملف البواخر والفيول

لسنوات، لم يكد يمر خطاب لرئيس الجمهورية السابق ميشال عون أو موقف للتيار الوطني الحر من دون العبارة نفسها: التدقيق الجنائي.

التدقيق لكشف الفساد.
التدقيق لمعرفة أين ذهبت الأموال.
التدقيق بوابة الإصلاح والمحاسبة.

حتى إن عون وصفه عام 2021 بأنه خطوة مفصلية، وقال إن المسار يجب أن يمتد إلى الإدارات والمؤسسات العامة والمجالس والصناديق.

كبر الشعار حتى بدا كأن التدقيق الجنائي مشروع العهد كله.

لكن أين كانت النتيجة؟

اليوم، المفارقة أن وزير الطاقة جو صدّي لا يرفع شعار التدقيق الجنائي. هو يطلقه فعليًا في أحد أكثر الملفات التصاقًا بوزارات الطاقة التي أدارها التيار: البواخر والفيول المرتبط بها.

من الشعار إلى المناقصة

صدّي لم يقل إن التدقيق «سيحصل يومًا ما».

وزارة الطاقة أعدّت دفتر الشروط، نسّقته مع هيئة الشراء العام، أمّنت الاعتماد، أطلقت المناقصة، وحددت موعد فض العروض.

والأهم أن التدقيق لا يقتصر على قيمة استئجار البواخر. بحسب ما أعلنه صدّي، سيبحث في الصفقات، وكلفة الفيول، وكيف جرت المناقصات، وصحة الأرقام، وصولًا إلى تحديد المسؤوليات.

هذا هو التدقيق الجنائي عندما يتحول من خطاب إلى إجراء.

والمفارقة تبدأ من الطاقة

المشهد يحمل شيئًا من السخرية السياسية.

التيار الذي رفع التدقيق الجنائي في وجه خصومه لسنوات، يجد التدقيق اليوم يدخل إلى واحد من أبرز ملفات عهده في الطاقة.

ولا يحتاج أحد إلى إصدار حكم مسبق.

صدّي نفسه رفض ذلك، وقال بوضوح إن التدقيق هو الذي سيحسم الأرقام والمسؤوليات.

لكن الوزير وضع أمام اللبنانيين أرقامًا تستحق التدقيق فعلًا.

فبحسب الأرقام التي عرضها، بلغ استئجار البواخر لثلاث سنوات نحو 392 مليون دولار، فيما كان شراؤها سيكلّف 345 مليونًا.

كما قال إن كلفة إنتاجها في 2014 و2015 كانت أعلى من كلفة الإنتاج في دير عمار والزهراني.

إذًا، بدل عشرات المؤتمرات والبيانات للدفاع عن التجربة، هناك حل أبسط بكثير:

دعوا المدققين يدخلون.

التدقيق ليس شعارًا انتخابيًا

المشكلة لم تكن يومًا في عبارة «التدقيق الجنائي».

المشكلة في تحويلها إلى راية سياسية تُرفع عندما يكون المطلوب مهاجمة الآخرين، ثم تبقى النتائج الفعلية محدودة.

اليوم الصورة معكوسة.

جو صدّي لم يحتج إلى سنوات من الخطب ليقول إنه يريد التدقيق. سار بالإجراءات وأطلق المناقصة.

وهنا الامتحان الحقيقي للتيار.

إذا كان التدقيق الجنائي فعلًا قضية مبدئية، فعليه أن يكون أول المرحبين بالتدقيق في البواخر والفيول.

أما إذا أصبح مرفوضًا أو مشكوكًا فيه فقط لأنه وصل إلى ملفات الطاقة، فيكون اللبنانيون أمام الحقيقة الأوضح:

لم يكن التدقيق الجنائي مبدأً.

كان شعارًا، إلى أن جاء من قرر أن يطبّقه.