الفيدرالية أو الطلاق: وثيقة تأسيسية للبنان الجديد

الفيدرالية في لبنان والنقاش حول صيغة سياسية جديدة

توقفت أوساط مطّلعة أمام الندوة التي أقامها الباحث الدكتور هشام بو ناصيف حول الفيدرالية في فندق «لو غابريال» في الأشرفية، لا عند ثقافته وسعة اطلاعه فحسب، بل عند الأسباب الموجبة التي عرضها بدقة لافتة، مستندًا إلى قراءة تاريخية ووطنية وسياسية واجتماعية متكاملة للواقع اللبناني.

فالندوة لم تكن مجرد طرح نظري للفيدرالية، بل مطالعة متماسكة تشكّل، في كثير من جوانبها، صورة طبق الأصل عن واقع سياسي لبناني تعقّد على مدى عقود، وأثبتت التجربة أن تجاهله أو القفز فوق مكوّناته البنيوية لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها.

ومن هنا، فإن أي قراءة موضوعية لما طرحه بو ناصيف تقود إلى السؤال الجوهري: هل يمكن الاستمرار في إدارة لبنان بالطريقة نفسها، أم أن الوقت حان للذهاب إلى صيغة سياسية جديدة تحفظ التعدد، وتصون الجماعات، وتؤمّن لكل مكوّن حقه في الشراكة والعيش والاستقرار؟ وفي نهاية المطاف، يبدو أن الخيارات تضيق أمام اللبنانيين بين الفيدرالية أو الطلاق، أي بين إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تحفظ خصوصية التعدد اللبناني، أو الاستمرار في مسار الانهيار والصدام.

إن رفض الحيثيات التاريخية والبنيوية والجوهرية التي عرضها بو ناصيف، من دون تقديم بديل واقعي، يعني عمليًا الإصرار على إبقاء لبنان ساحة مستباحة للصراعات، ومسرحًا دائمًا للتجاذبات والحروب، بدل أن يكون دولة مستقرة ومزدهرة وثابتة وراسخة.

فالخلاف ليس مع الفيدرالية كعنوان، بل مع الواقع الذي أوصل لبنان إلى هذا السؤال. ومن يريد تجاوز الفيدرالية، عليه أن يقدّم صيغة بديلة قادرة فعلًا على حماية التعدد اللبناني، ومنع أي مكوّن من فرض إرادته على المكونات الأخرى، ووضع حد نهائي لمنطق الغلبة والحرب المفتوحة.

والمطالعة التي قدّمها بو ناصيف تستحق أن تُناقش بعيدًا من التخوين والأحكام المسبقة، لأنها تضع على الطاولة سؤال لبنان الجديد: هل نريد دولة تعترف بتعدديتها وتبني نظامًا يحمي هذه التعددية، أم نريد الاستمرار في إلغاء الخصوصيات والمكوّنات، وصولًا إلى إلغاء الآخرين؟

إنها، في جوهرها، مطالعة يمكن أن تشكّل وثيقة تأسيسية للنقاش حول لبنان جديد؛ لبنان لا يكون فيه التعدد سببًا للحرب، ولا الاختلاف مدخلًا إلى الفوضى، ولا الشراكة شعارًا فارغًا، بل أساسًا لنظام سياسي قادر على تأمين الاستقرار والازدهار.

أما رفض هذا النقاش من أساسه، من دون معالجة الأسباب التي جعلته ضروريًا، فلا يعني الدفاع عن لبنان الواحد، بل قد يعني، من حيث يدري أصحابه أو لا يدرون، الإصرار على إبقاء لبنان ساحة للحرب والفوضى والانقسامات المتناسلة.

ولذلك، المطلوب ليس الخوف من طرح الفيدرالية، بل امتلاك الشجاعة لمناقشة أسبابها ونتائجها بموضوعية، لأن لبنان الذي يستحقه اللبنانيون هو لبنان المستقر والآمن والمزدهر، لا لبنان الذي يبقى رهينة لصراعات لا تنتهي.