في الساعات الأولى التي تلت خطف باسكال سليمان وقتله في نيسان 2024، سارع كثيرون إلى اختصار الجريمة برواية جاهزة: محاولة سرقة سيارة خرجت عن السيطرة وانتهت بمقتل صاحبها.
لكن القضاء لم يفعل ذلك.
واليوم، بعد أكثر من عامين من التحقيقات والاستجوابات وملاحقة المطلوبين داخل لبنان وخارجه، أعلنت زوجة باسكال سليمان أن قرار قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان أسقط رواية «سرقة السيارة»، وخلص إلى أن ما حصل كان خطفًا وقتلًا عن سابق تصور وتصميم، ضمن مشروع جرمي متكامل ومخطط له مسبقًا، فيما بقي دافع الجريمة غير محسوم وفق معطيات الملف.
وهنا تكمن المسألة الأساسية.
لم يقل القضاء إن الجريمة سياسية، ولم يحدد حتى الآن الجهة التي قد تكون وراءها أو الدافع الذي حرّك مرتكبيها. لذلك لا يجوز تحميل القرار ما لم يقله.
لكن القرار، وفق ما أعلنته زوجة باسكال، يقول شيئًا آخر لا يقل أهمية: باسكال لم يمت مصادفة خلال عملية سرقة عابرة.
القضاء لم يقفل الملف على الرواية الأولى
في 8 نيسان 2024، ظهرت الرواية الأولى بعد التحقيقات الأمنية مع عدد من الموقوفين، ومفادها أن باسكال قُتل أثناء محاولة سرقة سيارته.
كانت تلك نتيجة تحقيق أولي، وليست حكمًا نهائيًا.
القضاء أكمل عمله.
خلال أسابيع، انتقل الملف إلى قاضي التحقيق، وصدرت مذكرات توقيف في جرائم الخطف والقتل وتأليف عصابة والسرقة والمس بالأمن القومي. كما جرى التعامل مع بعض المتهمين على أساس جرم القتل عمدًا.
لكن الصورة بقيت ناقصة، لأن مطلوبين أساسيين فروا إلى سوريا.
ولم يتوقف الملف عند الحدود.
بعد اتصالات وتنسيق مع السلطات السورية، تسلّم لبنان في أيار 2025 أحمد نون، الذي وصفه الجيش بأنه من المتورطين الأساسيين في خطف باسكال وقتله. ثم خضع للتحقيق، وصدر بحقه لاحقًا قرار توقيف، فيما استمرت التحقيقات والتوقيفات في الملف.
هذه ليست صورة قضاء يريد إقفال القضية.
بل صورة تحقيق رفض أن يجعل إفادات المتهمين الأولى نهاية للحقيقة.
البعض احتاج ساعات فقط
وهنا يصبح السؤال في مكان آخر.
إذا كان القضاء احتاج إلى استجوابات ومذكرات توقيف وملاحقة مطلوبين في سوريا وأكثر من عامين من التحقيق حتى يصل إلى هذا المستوى من اليقين، فكيف احتاج البعض ساعات فقط ليحسم أن القصة مجرد «سرقة سيارة»؟
لماذا جرى التعامل مع رواية أولية وكأنها الحقيقة النهائية؟
ولماذا كان المطلوب أن يُختصر باسكال، بما يمثله وبظروف خطفه وقتله، بسيارة؟
زوجته قالت اليوم إنه «ظُلم بعد موته» عندما اختُصرت جريمته بكلمتين.
وهذه ربما أقسى خلاصة في الملف كله.
فالظلم لم يكن فقط في قتله. الظلم كان أيضًا في استعجال تفسير موته قبل أن تنتهي التحقيقات.
الحقيقة لا تحتاج إلى مبالغة
لا حاجة اليوم إلى اختراع الجواب الذي لم يصل إليه القضاء بعد.
إذا بقي الدافع مجهولًا، نقول إنه مجهول.
وإذا لم يثبت القضاء خلفية سياسية، لا نحول الاحتمال إلى حقيقة.
لكن بالقدر نفسه، لا يجوز بعد اليوم العودة إلى رواية «حادثة سرقة» وكأن شيئًا لم يتغير.
باسكال خُطف.
باسكال قُتل عمدًا.
وبحسب ما أعلنته زوجته عن قرار القضاء، لم تكن الجريمة وليدة لحظة عابرة، بل جزءًا من مشروع جرمي مخطط له مسبقًا.
أما من خطط؟
ولماذا اختير باسكال؟
وما الدافع الحقيقي؟
هذه هي الأسئلة التي تبقى أمام القضاء.
لكن سؤالًا آخر أصبح أمام كل من استعجل الرواية الأولى:
من يعتذر لباسكال بعدما اختصروا جريمة خطفه وقتله بسيارة؟




