وعود الإعمار وغضب البيئة الحاضنة

وعود الحزب بالإعمار دليل على اتساع الاعتراض وغضب البيئة الحاضنة

آب 4, 2026
مقايضة السلاح

حوار قاسم… بداية مقايضة السلاح بالسلطة

آب 5, 2026
وعود الإعمار وغضب البيئة الحاضنة

وعود الحزب بالإعمار دليل على اتساع الاعتراض وغضب البيئة الحاضنة

آب 4, 2026
مقايضة السلاح

حوار قاسم… بداية مقايضة السلاح بالسلطة

آب 5, 2026

موقفان تراجعيان يكشفان مأزق نعيم قاسم

شارل جبّور

أطلّ الشيخ نعيم قاسم على اللبنانيين بخطاب أعاد إنتاج الشعارات نفسها حول “المقاومة” والسلاح، وهي شعارات لم تعد تقنع حتى جزءًا واسعًا من بيئته الحاضنة. فالبيئة التي خاطبها واعدًا بإعادة الإعمار وصرف التعويضات بدأت تلمس أن الحزب لم يعد قادرًا على تنفيذ وعوده، وأنه بات يعيش حالة عجز غير مسبوقة بعدما أسقطت الحرب ادعاءاته.

لم يعد الحزب يستند إلى فائض قوة كما في السابق، ولا إلى صورة السلاح الذي كان يقدّمه باعتباره مصدر ردع وتوازن. وما بقي له هو الرهان على إيران، فيما ترى بيئته أن طهران نفسها تعيش أزمة عميقة، وأن أولويتها باتت حماية مصالحها، لا إنقاذ حلفائها. ومن هنا بدأ التململ يكبر، وبدأت الاعتراضات تتوسع داخل البيئة الشيعية التي دفعت أثمانًا باهظة ولم تحصل على ما وُعدت به.
وبعيدًا عن الخطاب الإنشائي والمكرّر، برز موقفان في كلمة قاسم يكشفان حجم المأزق الذي يعيشه.

تمثل الموقف الأول في دعوته السلطة السياسية في لبنان إلى فتح باب الحوار مع ما يسميه “المقاومة”. وهذه الدعوة تناقض كل ما قاله في خطابه نفسه. فهو يتهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والحكومة بأنها تنفذ الأجندة الأميركية والإسرائيلية، ويخوّن خياراتها، ثم يدعوها إلى الحوار. وإذا كانت السلطة، بحسب توصيفه، سلطة “عميلة” و”خائنة”، فلماذا يريد الحوار معها؟ وفق منطقه، كان يفترض أن يدعو إلى إسقاطها، لا إلى التفاوض معها.

وهذا التناقض لا يُفسَّر إلا باعتراف غير مباشر بالعجز. فهو يدرك أنه لم يعد قادرًا على إسقاط الحكومة، ولا على تغيير المسار الذي اختارته الدولة، ولا على فرض معادلاته السابقة. لذلك يحاول فتح نافذة تفاوض تحفظ له ما تبقى من نفوذ سياسي ومعنوي بعد سقوط معادلة السلاح. وربما تعكس هذه الدعوة أيضًا إدراكًا إيرانيًا بأن مرحلة جديدة بدأت، وأن على الحزب البحث عن كيفية التكيّف معها، بدل الاكتفاء برفع السقوف السياسية والإعلامية.

لكن أي حوار من هذا النوع يجب أن يكون مرفوضًا. فالدولة ليست مطالبة بالتفاوض على تنفيذ قراراتها، ولا بمنح مهلة إضافية لمشروع انتهى عمليًا. المطلوب هو المضي في تنفيذ قراراتها، وترسيخ احتكارها للسلاح، وعدم مقايضة تطبيق القانون بأي مكاسب سياسية أو دستورية، خصوصًا أن الحزب لا يريد من هذا الحوار سوى شراء الوقت حفاظًا على سلاحه ومشروعه المسلّح.

أما الموقف الثاني، فتمثل في إعلان قاسم أنه لا يمانع لقاءً علنيًا مع القيادة السورية الجديدة. وهذا موقف لا يقل دلالة عن الأول. فالحزب خاض الحرب في سوريا إلى جانب نظام الأسد، وقاتل القوى التي أصبحت اليوم في موقع السلطة، وشارك في معارك خلّفت عشرات آلاف الضحايا والمهجرين. لذلك، فإن طلب اللقاء اليوم يعكس خوفًا من المرحلة المقبلة أكثر مما يعكس ثقة بالنفس.
فالرسالة الضمنية التي يوجّهها إلى دمشق هي أنه مستعد لفتح صفحة جديدة، وأنه يريد تجنب أي مواجهة معها، ولا سيما في ظل المخاوف داخل بيئته من تجاوب القيادة السورية مع الدعوات الأميركية للدخول إلى لبنان وإنهاء وضعية الحزب الإيراني فيه. وهو، كما يطلب من الدولة اللبنانية الحوار، يطلب من القيادة السورية أيضًا الحوار، في محاولة واضحة لتخفيف الضغوط التي تقترب منه من أكثر من جهة.

غير أن أي حوار، سواء مع الدولة اللبنانية أو مع القيادة السورية، يفترض أن يسبقه اعتذار. كان يفترض بقاسم أن يعتذر للشعب السوري عن مشاركة حزبه في الحرب وما خلّفته من قتل ودمار وتهجير. وكان يفترض به أيضًا أن يعتذر لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بعدما خوّنهما، وأن يعتذر للبنانيين عن الحروب التي أدخلت بلدهم في الانهيار والدمار والنزوح والعزلة.
يبدو قاسم وكأنه يعتقد أنه ما زال يفتح باب الحوار من موقع القوة. إلا أن الوقائع تقول غير ذلك. فموازين القوى تغيّرت، والمرحلة تبدّلت، والشروط لم تعد شروطه ولا شروط إيران، بل أصبحت شروط الدولة اللبنانية وحدها. لقد انتهى زمن فرض الوقائع بقوة السلاح، وبدأ زمن استعادة الدولة قرارها وسيادتها.

أما المطلوب اليوم، فهو أن تبقى الدولة ثابتة في خياراتها، وألا تمنح المشروع المسلّح فرصة جديدة لإعادة إنتاج نفسه تحت عنوان الحوار الكاذب والمخادع. فالحوار الحقيقي يبدأ بعد تنفيذ القرارات ونزع السلاح الإيراني، لا قبل ذلك، وبعد الاعتذار العلني عن الخطايا التي دمّرت لبنان، لا قبل الاعتراف بها.

 

الدولة المركزية أسقطت لبنان… والأقاليم ضمانة التعددية اللبنانية