روما و4 آب… لبنان بين اختبار السيادة وامتحان العدالة

آب 4, 2026
جعجع للخريجين وبناء البيت الكبير قبل البيت الصغير

بالفيديو: جعجع للخريجين ابنوا البيت الكبير قبل البيت الصغير

آب 4, 2026

روما و4 آب… لبنان بين اختبار السيادة وامتحان العدالة

آب 4, 2026
جعجع للخريجين وبناء البيت الكبير قبل البيت الصغير

بالفيديو: جعجع للخريجين ابنوا البيت الكبير قبل البيت الصغير

آب 4, 2026

الدولة المركزية أسقطت لبنان… والأقاليم ضمانة التعددية اللبنانية

شارل جبّور

إذا كان لا بد من استخلاص العبرة الكبرى من تاريخ لبنان الحديث، فهي أن الدولة المركزية لم تكن يومًا ضمانة للتعددية اللبنانية، بل تحولت، كلما وقعت تحت سيطرة مشروع داخلي أو خارجي، إلى أداة لإلغاء هذه التعددية وضربها. فمنذ أحداث عام 1958، مرورًا بتحويل لبنان، في منتصف ستينات القرن الماضي، إلى منصة للعمل الفدائي الفلسطيني، ثم الوصاية السورية، وصولًا إلى هيمنة الحزب الإيراني على القرار اللبناني، كان المشهد يتكرر: من يسيطر على المركز يسيطر على لبنان كله.

ولو كان لبنان يومها دولة اتحادية مؤلفة من أقاليم تتمتع بصلاحياتها الذاتية، لما كان ممكنًا إسقاط الدولة من أجل تحويل البلاد إلى منصة لمواجهة إسرائيل. فالجهة التي كانت تؤيد العمل الفدائي كان بإمكانها أن تستضيفه داخل إقليمها، لكنها لم تكن لتستطيع فرضه على سائر اللبنانيين، ولا استخدام أراضي الأقاليم الأخرى، لأن ذلك كان سيُعد اعتداءً عليها.

وهنا تكمن الفلسفة الحقيقية لنظام الأقاليم. فهو لا يمنع أي جماعة من ممارسة قناعاتها السياسية، لكنه يمنعها من فرض هذه القناعات على الآخرين. إنه ينقل الصراع من صراع على الدولة إلى تعايش بين أقاليم متساوية في الحقوق والواجبات، لكل منها خصوصيتها، فيما تتشارك جميعها في الدولة الاتحادية ومؤسساتها المشتركة.

لقد أثبتت التجربة أن الدولة المركزية هي الطريق الأسهل للسيطرة على لبنان. فمن يمسك بها يمسك بالجيش، والأجهزة الأمنية، والحدود، والمعابر، والإدارة، والقضاء، والمالية العامة، والموارد البشرية والاقتصادية. ولذلك كانت كل المشاريع الإقليمية تمر أولًا عبر السيطرة على السلطة المركزية، لأن الإمساك بها يعني الإمساك بلبنان كله وتحويله إلى ورقة تفاوض أو ساحة صراع. وهذا ما يفسر رفض بعض الجماعات لدولة الأقاليم، لأنهم، في خلفيتهم وقرارة أنفسهم، يريدون إلغاء التعددية للسيطرة على لبنان كله.

ومن هنا يصبح الصراع على السلطة المركزية صراعًا وجوديًا بين الجماعات اللبنانية. فلا يعود التنافس سياسيًا أو سلطويًا فحسب، بل يتحول إلى معركة حول من يقرر مصير الجميع، ومن يفرض خياراته عليهم، ومن يجر البلاد إلى الحرب أو يمنعها، وإلى أي محور تنتمي. وهذا كله يتناقض مع فلسفة الفكرة اللبنانية القائمة على احترام التعددية. واحترام هذه التعددية لا يكون بإلزام جماعات بخيارات جماعات أخرى تتناقض مع قناعاتها وشعورها، ما يعني أن الدولة المركزية أصبحت العدو الأول للتعددية، ولكل شعارات التعايش التي رُفعت على مدى العقود الماضية. فمن يريد التعايش فعلًا لا قولًا، عليه أن يتعظ من تجربة قرن من الصراعات التي قامت على محاولة إلغاء التعددية وفرض حكم الأكثرية أو العددية.

أما في نظام الأقاليم، فإن هذا العامل التفجيري يزول. فإذا أراد إقليم معين أن يتبنى خيار ما يسمى “المقاومة” أو المواجهة العسكرية، فإنه يتحمل وحده مسؤولية هذا الخيار وتبعاته، ولا يملك إلزام بقية الأقاليم به. وفي المقابل، إذا اختارت أقاليم أخرى السلام، أو الانفتاح، أو إقامة أفضل العلاقات مع دول الجوار، فإن ذلك يبقى حقًا لها، من دون أن يُفرض عليها مشروع لا تؤمن به.
إن التعايش الحقيقي ليس أن تُكره جماعات مختلفة على العيش وفق نموذج سياسي واحد، بل أن تتمكن من الحفاظ على خصوصياتها، وأن تتفاعل بحرية داخل وطن واحد. فلبنان الرسالة لا يقوم على إلغاء الاختلاف، وإنما على تنظيمه وحمايته. والتعددية ليست مشكلة لبنان، بل مصدر غناه، فيما كانت المشكلة دائمًا في محاولة إخضاع هذه التعددية لسلطة مركزية واحدة.

لهذا السبب، فإن الانتقال من الدولة المركزية إلى دولة الأقاليم ليس مشروع تقسيم، بل مشروع حماية للوحدة والتعايش، لأنه ينهي الصراع على السيطرة على المركز، ويحول العلاقة بين اللبنانيين من علاقة غلبة وإلغاء إلى علاقة شراكة واحترام متبادل. وعندها فقط يصبح لبنان مساحة لقاء بين أقاليم متعايشة، لا ساحة مفتوحة أمام المشاريع الخارجية وفصول الصراعات المستمرة منذ تأسيس الكيان حتى اليوم.

إن كل من يتمسك بالدولة المركزية، بعد التجربة المريرة التي عاشها اللبنانيون طوال العقود الماضية، يتجاهل أنها كانت المدخل إلى الوصاية، والاحتلال، والحروب، والفوضى، وتحويل لبنان إلى ساحة لصراعات الآخرين وانقسامات داخلية عمودية، حتى بات نموذجًا للدولة الفاشلة. أما دولة الأقاليم، فهي وحدها القادرة على صون التعددية اللبنانية، وحماية الجماعات، وإعادة لبنان إلى رسالته الأصلية: وطنًا للحرية والتنوع، لا ساحةً للحروب والإلغاء.