قانون الانتخاب الآن: لماذا؟

شارل جبّور
دعوة اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة إلى الاجتماع غدًا الاثنين لمتابعة درس اقتراحات القوانين المتعلقة بالانتخابات النيابية، تستدعي التوقف عندها وتسجيل الملاحظات التالية:
أولًا، مع كامل الاحترام لمن وجّه هذه الدعوة، هناك خفة سياسية في مقاربة الأولويات، إذ إن البلد يغرق في أسوأ وضع مالي واقتصادي بسبب الحرب والحصار، وبسبب تمسّك “حزب الله” بسلاحه، وبدل الانكباب على كيفية معالجة أسباب الحرب وإنهائها، من أجل أن يتنفس لبنان الذي يختنق تدريجيًا، هناك من أراد أن يبحث في جنس الملائكة في هذا التوقيت بالذات، وكأن إيقاف هذه الحرب ليس من مهمته، وكأن كيفية رفع الحصار ليست من مهمته، وكأن كيفية إنهاء السلاح الإيراني الذي يبقي الحرب والحصار ليست من مهمته.
ثانيًا، هناك من يحب أن يعمل على قاعدة الابتزاز والاستفزاز. فقانون الانتخاب قائم وموجود، والتمديد حصل في الأمس، والانتخابات المقررة هي في ربيع عام 2028، فلماذا الدفع دائمًا والتلويح دائمًا من أجل تعديله، ولأي هدف؟ فهذا القانون قائم بحد ذاته، ومعلوم أن المدخل إلى الاستقرار السياسي في أي بلد هو تثبيت قانون الانتخاب، وليس تغييره مع كل استحقاق، خصوصًا أن قانون عام 2017 أقر نظامًا انتخابيًا قائمًا على النسبية والصوت التفضيلي، ولا يزال هو القانون الأكثر تمثيلًا للمجموعات اللبنانية منذ أول انتخابات أجريت في العام 1992 بعد الحرب اللبنانية. وبالتالي، ما الهدف من اللعب في هذا الملعب الآن؟
ثالثًا، هناك من يقول، ردًا على هذا المنطق، إن القول إن هذا ليس التوقيت المناسب يعني أنه إذا جرى بحث القانون عشية الانتخابات، سيقال إن هذا الأمر لا يُبحث في هذه اللحظة، وإذا جرى بحثه قبل أوانه، سيقال: لماذا الاستعجال في بحثه؟ وبالتالي، يبقى القانون غير قابل للبحث.
والرد على هذا المنطق هو أن القوانين الانتخابية يجب أن تكون ثابتة لعدة دورات انتخابية، بحيث يعرف المرشح والناخب على أي أساس قانوني يعملان، لا أن تتوالد قوانين انتخابية جديدة مع كل استحقاق انتخابي. ومن ثم، فالبلد اليوم ليس أمام مشهد سياسي عادي، بل أمام مشهد يعاد فيه رسم معالم المنطقة، وفي مرحلة لا أحد يعرف فيها ما إذا كان على أبواب حرب جديدة واسعة، بين إسرائيل و”حزب الله”، أو بين الولايات المتحدة وإيران، وفي وضع أزيلت فيه مناطق شاسعة عن بكرة أبيها. وبالتالي، فإن الهم الفعلي والأساسي يفترض أن يكون في كيفية إخراج لبنان من عنق الزجاجة ومن حالة الاختناق التي هو فيها، لا في استعار البحث في القوانين الانتخابية للقول إننا موجودون هنا، وللتلويح بأن هذا القانون لن يبقى ثابتًا، وبهدف الاستفزاز السياسي.
رابعًا، بما أن الدعوة أتت من إدارة مجلس النواب الممسوكة من الثنائي الإيراني، فإن فتح هذا النقاش قد يكون مرتبطًا بحسابات أبعد بكثير من قانون الانتخاب. فإما أن يكون الهدف تعديل قانون الانتخاب بما يسمح لهذا الثنائي بتعويض ما خسره عسكريًا، ومع النهاية الحتمية لمشروعه المسلّح، من خلال تعديلات انتخابية تعزز قدرته على الإمساك بالواقع السياسي اللبناني. ومن الأمثلة المطروحة في هذا السياق البحث في اعتماد صوتين تفضيليين، بما قد يرفع من قدرة هذا الثنائي على مواصلة إمساكه بمفاصل الدولة، ولكن هذه المرة سياسيًا وليس عسكريًا.
وإما أن يكون الهدف فتح نقاش يتجاوز قانون الانتخاب إلى تعديل الدستور، بهدف تثبيت مواقع تمكّنه من الحفاظ على هيمنته على الدولة، بما يسمح بالحفاظ على قدرات أكبر في الإمساك بمفاصل السلطة، بعدما تبدلت المعادلات العسكرية والسياسية التي حكمت البلاد خلال المرحلة السابقة.
وأمام كل هذه الوقائع والاحتمالات، فإن فتح النقاش في قانون الانتخاب قد يكون لإثارة الغبار لا أكثر، وقد يكون نتيجة خفة سياسية معتادة، وقد يكون أيضًا محاولة لاستباق تطور عسكري حاسم، سواء كان أميركيًا–إيرانيًا أو إسرائيليًا–حزب اللهيًا، من أجل إنتاج قانون انتخابي قبل اكتمال صورة هذا التطور، لأنه إذا جاءت الهزيمة كاملة وقاضية هذه المرة، لن يتمكن الثنائي الإيراني من فتح النقاش، لا في قانون الانتخاب ولا في تغيير النظام.
وفي مطلق الأحوال، إذا كان من نقاش يجب أن يُفتح، فهو نقاش تغيير النظام السياسي، لأن ما هو غير مقبول أن يستمر هذا الواقع الذي تجر فيه فئة معينة الفئات كلها والبلد كله إلى الحرب، وما هو غير مقبول الاستمرار في نظام يدفع فيه الأوادم الثمن، وما هو غير مقبول أن تبقى منطقة تشكل اليوم المدى الحيوي للحركة الاقتصادية والمالية في البلد تتحمل وحدها تبعات خيارات مناطق أخرى، ويعيش كل البلد على ظهرها. وبالتالي، فإن اللحظة الراهنة تفرض إعادة البحث في النظام السياسي، بما يحمل كل جماعة تبعات مواقفها وخياراتها، وأن تعيش انطلاقًا من عملها وشغلها وإنتاجها، لا على ظهر غيرها.
هذه لحظة ذهبية غير قابلة للتكرار بسهولة في تاريخ البلد، والمطلوب فيها الاستفادة من هزيمة الممانعة من أجل الذهاب إلى تغيير النظام السياسي، بما يؤدي إلى سياسة فصل تعيش فيها كل جماعة خياراتها بحرية، لأن سياسة الوصل، منذ مئة سنة إلى اليوم، لم تؤدِّ سوى إلى الاضمحلال والذوبان والموت والحروب والانهيار والكوارث والدمار والخراب.



