سببان لتراجع الاهتمام الأميركي بلبنان

الاهتمام الأميركي بلبنان ومسار السلام مع إسرائيل ودور الولايات المتحدة
شارل جبّور
الاهتمام الأميركي الزائد بلبنان في المرحلة الأخيرة مردّه إلى عاملين أساسيين:

العامل الأول أن هناك من أحسن الدخول إلى العقل الأميركي من خلال الإيحاء بأن لبنان يريد السلام مع إسرائيل. وهذا الأمر، بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، ولكل عهد رئاسي، يُعتبر إنجازًا يُسعى إلى تحقيقه. فكيف إذا كان هذا الإنجاز يتمثل في إنهاء صراع طويل بدأ منذ منتصف ستينات القرن الماضي واستمر حتى اليوم؟ ومن هنا، فإن نجاح الرئيس ترامب في إنهاء هذا الصراع يشكّل إنجازًا إضافيًا إلى قائمة الإنجازات التي يسعى إلى تحقيقها.

وبالتالي، فإن جزءًا من الاهتمام الأميركي بلبنان يمكن فهمه من زاوية أن هناك من قال للإدارة الأميركية: أنا جاهز للسلام. والولايات المتحدة تريد فعلًا السلام وإنهاء الحروب والصراعات في الشرق الأوسط، وهذا أحد أهدافها الأساسية في المنطقة. لكن هذا العامل تراجع، أو على الأقل تراجعت المؤشرات التي كانت توحي بأن لبنان الرسمي يسير في هذا الاتجاه. ومع تراجع لبنان الرسمي عن السعي باتجاه السلام، من الطبيعي أن يتراجع أحد أسباب الاهتمام الأميركي بلبنان.

العامل الثاني هو أن الولايات المتحدة لا تريد أن تؤثر الوضعية اللبنانية على استقرار المنطقة. فالبؤرة المسلحة في لبنان كانت تؤثر على المنطقة برمتها، وكان المطلوب حصر تداعياتها في لبنان، بما يساهم في تخفيف مستوى التوتر الإقليمي. ومع ملاحظة الإدارة الأميركية تراجعًا لبنانيًا في الاتجاه الأول، وملاحظة أن التراجع الكبير في القدرة العسكرية لـ”حزب الله” أضعف قدرته على التأثير في الإقليم، فإن الاهتمام الأميركي بلبنان يصبح، بالضرورة، عرضة للتراجع.
فالحزب الذي كان قوة إقليمية تتدخل في سوريا والعراق واليمن، ولديه شبكات مزروعة في أكثر من دولة، بات أمام وضع مختلف، مع انتفاء قدرته على التأثير إقليميًا، وصولًا إلى انتفاء قدرته على فرض معادلاته داخل لبنان نفسه.

ومن هنا تبرز الخشية من أن تتخلى الولايات المتحدة عن لبنان لسببين متلازمين: تراجع لبنان الرسمي عن المسار الذي أوحى بأنه مستعد للذهاب فيه باتجاه السلام، وانتفاء قدرة “حزب الله” على التأثير في الإقليم، بما يجعل احتواء الوضع اللبناني أولوية أميركية كما كان في السابق.

أمام هذا الواقع، تصبح الأولوية الرسمية التي لا يفترض أن تعلو عليها أولوية أخرى هي معالجة الحرب مع إسرائيل، ويصبح السلام عنوان المرحلة، سيما أن الحزب، بالمعنى العسكري، دخل مرحلة مختلفة جذريًا، ولم يبقَ سوى من يتخِّذ القرار السياسي الذي يحسم مصيره: هل تتخذه القيادة الإيرانية؟ هل تتخذه القيادة الإسرائيلية؟ أم تتخذه القيادة اللبنانية؟ هذا أمر لا يزال غير محسوم.

لكن الأمر الرئيسي هو أن لبنان أمام لحظة مفصلية، وأن عنوان المرحلة ينبغي أن يكون السلام. فالخيار أمام لبنان ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية. وإذا تراجع الاهتمام الأميركي به، وبقي الوضع مع إسرائيل من دون معالجة، فإن لبنان سيبقى في دائرة عدم الاستقرار، فيما تكون إسرائيل قد حققت استقرارها بعد أن دمرت الحزب الإيراني، ولها الغطاء الأميركي للرد الذي تريده إذا استُهدف جيشها في لبنان.

وهكذا يبقى لبنان أمام معادلة صعبة: إمّا أن يعالج أصل المشكلة مع إسرائيل ويفتح مسارًا ينهي حالة الحرب، وإمّا أن يستمر في وضعية عدم الاستقرار إلى ما شاء الله. والمدخل إلى حسم كل ذلك يبدأ من السلام الذي يعيد الاهتمام الأميركي بلبنان. ولا مصلحة لبيروت في أن تفقد هذا الاهتمام، لكن المدخل إليه هو السلام.