من قلب بيئته… النبطية تقول للحزب: سلّم سلاحك

لم يعد الاعتراض على سلاح الحزب يأتي فقط من خصومه السياسيين.
هذه المرة، الصوت خرج من النبطية نفسها.
أكثر من 400 شخص، من أبناء النبطية وجبل عامل والجنوب، بينهم أطباء ومهندسون ومحامون وأكاديميون وإعلاميون وناشطون، وقّعوا “نداء النبطية الثاني”، مطالبين بإرسال الجيش اللبناني فورًا إلى المدينة ومحيطها، وبأن تتولى الدولة وحدها مسؤولية أمنها، وأن يُحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية.
المهم ليس عدد التواقيع فقط.
المهم هو مضمون النداء.
أهالي الجنوب يقولون بوضوح إن النبطية ليست متراسًا لأي محور، وإن حماية المدينة تبدأ باستعادة الدولة دورها وإنهاء ازدواجية القرار التي أنهكت الجنوب.
أي بكلام أوضح:
لا يريدون محورًا.
لا يريدون قرار حرب خارج الدولة.
يريدون الجيش اللبناني.
وهنا السؤال الذي لا يستطيع الحزب الهروب منه:
إذا كان أهل المنطقة يطالبون بالجيش وبحصر قرار الحرب والسلم بالدولة، فما الذي يبقي السلاح خارج الدولة؟
على مدى سنوات، حاول الحزب أن يصوّر كل دعوة إلى حصرية السلاح كأنها موقف صادر عن خصومه، أو مطلب أميركي أو إسرائيلي.
لكن ماذا يقول اليوم عندما يأتي الكلام نفسه من النبطية؟
هل هؤلاء أيضًا خصوم؟
هل الطبيب والمهندس والمحامي الذي يخاف على مدينته يريد خدمة إسرائيل؟
أم أن الحقيقة باتت أبسط من كل هذا؟
الناس تعبت.
تعبت من أن تدفع ثمن حروب لا تقررها.
>تعبت من أن تتحول قراها إلى ساحات.
>تعبت من أن يبقى قرار مصيرها بيد تنظيم مسلح خارج الدولة.
ولهذا، فإن الرسالة التي تخرج اليوم من النبطية لا تحتاج إلى كثير من التفسير.
إذا كنتم تريدون الدولة، فالدولة لا تقوم بسلاحين.
إذا كنتم تريدون الجيش، فالجيش لا يستطيع أن يكون مسؤولًا فيما القرار الأمني والعسكري موزع بينه وبين تنظيم آخر.
وإذا كنتم تريدون حماية الجنوب، فلا يمكن أن يبقى الجنوب رهينة قرار حرب لا يملكه أهله ولا الدولة.
الحزب يقول إنه يحمل السلاح دفاعًا عن بيئته.
لكن جزءًا من هذه البيئة نفسها بات يقول له: نريد الدولة.
وهنا يصبح السؤال مباشرًا:
إذا كانت الناس التي تقول إنك تحميها تطلب الجيش، فلماذا لا تسلّم سلاحك للجيش؟
المشكلة لم تعد في ما يقوله خصوم الحزب.
المشكلة في أن السؤال بدأ يخرج من قلب الجنوب نفسه.
ولذلك، فإن أهم ما في “نداء النبطية” ليس فقط المطالبة بانتشار الجيش.
أهم ما فيه أنه يسحب الذريعة الأساسية التي استند إليها الحزب طويلًا: أن السلاح ضرورة لحماية البيئة.
إذا كانت البيئة تطلب الدولة، فالجواب يجب أن يكون دولة.
إذا كانت تطلب الجيش، فالجواب يجب أن يكون الجيش.
وإذا كانت تطلب حصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، فلا يبقى أمام الحزب إلا خيار واحد:
سلّم سلاحك.
لا لأن خصومك طلبوا ذلك.
ولا لأن الخارج طلب ذلك.
بل لأن الناس التي تقول إنك تحمل السلاح من أجلها بدأت تقول لك بوضوح:
كفى. الدولة أولًا.



