من لبنان إلى اللبنانات

اللبنانات وتعدد الرؤى حول هوية لبنان

عندما يقول الحزب الإيراني في لبنان إن «المقاومة كانت وما زالت وستبقى جزءًا أصيلًا من تاريخ لبنان وحاضره ومستقبله»، فإن هذا الكلام، في شقّه المتعلق بجزء من الطائفة الشيعية، لا يمكن إنكاره. فهذه المقاومة، بصرف النظر عن طبيعتها ومرجعيتها وأهدافها، أصبحت بالفعل جزءًا من تاريخ هذا الفصيل أو هذه الجماعة، ومن حقه أن يرى فيها جزءًا من هويته السياسية والتاريخية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يُراد تحويل هذه الرؤية الخاصة إلى حقيقة وطنية عامة، وكأنها تعبّر عن اللبنانيين جميعًا.

فالمسيحيون لا يرون هذه المقاومة جزءًا أصيلًا من تاريخهم، ولا السنة يعتبرونها كذلك، ولا الدروز يرون فيها امتدادًا لتاريخهم أو حاضرهم أو مستقبلهم. بل إن شرائح واسعة من هذه المكوّنات ترى فيها مشروعًا إيرانيًا عابرًا للحدود، وأداة صراع وحرب، ومشروعًا سياسيًا وثقافيًا وحضاريًا يتناقض مع رؤيتها للبنان.

فالخلاف حول ما يسمى «المقاومة» ليس مجرد اختلاف في الموقف من سلاح أو تنظيم. إنه خلاف على تعريف لبنان نفسه، وعلى تاريخه وهويته ومستقبله، وعلى المرجعية التي تحدد خياراته الوطنية والاستراتيجية.

فإذا كانت «المقاومة» جزءًا أصيلًا من تاريخ جماعة لبنانية، لكنها في نظر جماعات لبنانية أخرى مشروع إيراني وأداة حرب وتهديدًا لسيادة الدولة، فكيف يمكن الادعاء بأن هناك مفهومًا وطنيًا واحدًا جامعًا للبنان؟

هذا الكلام الذي يقوله الحزب الإيراني يؤكد، من حيث يدري أو لا يدري، أن لبنان بلد تعددي الهوية والانتماء، وأن اللبنانيين لا يتشاركون التاريخ السياسي نفسه، ولا القراءة نفسها للحاضر، ولا الرؤية نفسها للمستقبل.

ومن هنا، فإن الإصرار على فرض مفهوم واحد للبنان على جميع مكوّناته يصبح مغالطة وطنية ودستورية. الوحدة لا تكون بتجاهل الاختلافات العميقة، ولا بفرض رواية جماعة على سائر الجماعات، بل بقيام عقد وطني يحترم تعددية اللبنانيين وحقهم في تحديد خياراتهم.

وإذا أردنا الذهاب بمنطق الحزب إلى نهايته، فإن لبنان ليس لبنانًا واحدًا في الوعي السياسي والاجتماعي، بل «لبنانات»: لبنان شيعي له قراءته لتاريخه وحاضره ومستقبله، ولبنان مسيحي، ولبنان سني، ولبنان درزي، وربما لبنان يتجاوز كل هذه الانتماءات ويضم من يريد دولة مدنية ومساحة مشتركة لجميع المواطنين بمعزل عن الطوائف.

المشكلة ليست في وجود هذه التعددية، بل في إنكارها.

فلا يمكن لجماعة أن تقول إن رؤيتها هي «لبنان» فيما يعتبرها الآخرون نقيضًا للبنان الذي يريدونه. ولا يمكن بناء وحدة وطنية حقيقية فوق خلاف بهذا العمق حول السلاح والسيادة والهوية والخيارات الاستراتيجية.

لذلك، إذا كان الحزب يريد أن يقول إن «المقاومة» جزء أصيل من تاريخه وحاضره ومستقبله، فليكن. لكن عليه أن يعترف في المقابل بأنها ليست جزءًا أصيلًا من تاريخ وحاضر ومستقبل سائر اللبنانيين.

ومن هنا تبدأ الحقيقة التي يرفض كثيرون مواجهتها: المشكلة لم تعد في كيفية إدارة لبنان الواحد، بل في كيفية إدارة لبنانات متعددة داخل مساحة جغرافية واحدة.

ومن لبنان إلى اللبنانات، يبدأ البحث الجدي عن صيغة تعكس واقع اللبنانيين بدل إنكار اختلافاتهم.