من الفاتيكان إلى الخردلي… لبنان يتهيأ لما بعد اليونيفيل

الموجز الإعلامي اليومي | 21 آب 2026
دخل ملف ما بعد اليونيفيل مرحلة عملية، بعدما سلّمت القوة الدولية موقعها في الخردلي–الليطاني إلى اللواء السابع في الجيش اللبناني. ويتزامن ذلك مع تحرك الرئيس جوزاف عون في الفاتيكان وروما لتأمين مظلة دولية للجنوب. في المقابل، تواصل إسرائيل القصف والتفجيرات، فيما تبقى علي الطاهر أخطر نقاط المواجهة المحتملة. ويواجه لبنان بذلك استحقاقين مترابطين: تثبيت وقف النار، ومنع فراغ أمني مع انتهاء مهمة القوة الدولية نهاية السنة.
ما بعد اليونيفيل يبدأ من الخردلي
شكّل تسليم موقع «اليونيفيل» في الخردلي إلى الجيش أبرز تطور ميداني مؤسساتي في تقرير اليوم. وتأتي الخطوة ضمن خطة لنقل عدد من المواقع إلى المؤسسة العسكرية قبل انتهاء مهمة القوة الدولية نهاية 2026.
هذه الخطوة تحمل معنى أكبر من تسليم موقع عسكري. فهي تعطي صورة مبكرة عن ما بعد اليونيفيل: الجيش سيتولى مسؤوليات إضافية، فيما لا تزال الاعتداءات مستمرة، ولم تتضح بعد طبيعة القوة الدولية أو الآلية التي ستساعده لاحقاً.
ودعت «اليونيفيل» الأطراف إلى تجديد التزامها بالقرار 1701 ووقف الانتهاكات. كما حذرت من أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر من حالة عدم الاستقرار.
الفاتيكان يدعم لبنان ويحذر من صعوبات التنفيذ
حمل الرئيس جوزاف عون ملف الجنوب إلى لقائه مع البابا لاوون الرابع عشر وكبار مسؤولي الكرسي الرسولي.
وطلب عون مواصلة الضغط الدبلوماسي من أجل إلزام إسرائيل تنفيذ «صيغة الإطار»، ووقف الاعتداءات اليومية، والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة. وربط هذه الخطوات بإعادة الإعمار وعودة النازحين، وبسط سلطة الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بيدها.
في المقابل، عبّر الفاتيكان عن قلق عميق من الصعوبات التي تواجه تنفيذ الاتفاق، مع تأكيد دعمه للجهود الرامية إلى تطبيقه.
وهذا الموقف مهم لأنه يدعم المسار اللبناني من دون تجاهل التعثر القائم على الأرض.
عون يبحث في روما شكل الجنوب الجديد
لا تتوقف زيارة عون عند الفاتيكان. فاللقاءات الإيطالية تضع ما بعد اليونيفيل في قلب البحث، ولا سيما مع الرئيس سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الحكومة جورجيا ميلوني.
وتدور الاتصالات حول احتمال تمديد مهمة «اليونيفيل»، أو إيجاد صيغة دولية بديلة إذا تعذر ذلك. كما تظهر إيطاليا وفرنسا في مقدمة الدول التي تبحث إمكان استمرار وجود دولي في الجنوب.
لكن واشنطن لم تقدم حتى الآن جواباً نهائياً على طلب عون إبقاء «اليونيفيل». وتقول مصادر «النهار» إن احتمال الموافقة ما زال وارداً، فيما يستمر تنسيق فرنسي–إيطالي على مستوى عالٍ حول البديل المحتمل.
وبالتالي، لا توجد بعد قوة بديلة متفق عليها، ولا صيغة قانونية نهائية.
فرنسا تدخل من بوابة دعم الجيش
تتحرك باريس بالتوازي مع روما.
ومن المقرر أن تستضيف في 17 أيلول اجتماعاً تحضيرياً لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن، بمشاركة رؤساء أركان 15 دولة، من بينها الولايات المتحدة. أما موعد المؤتمر الدولي النهائي، فلم يُحسم بعد.
وتعتبر التحليلات أن دعم الجيش أصبح جزءاً من هندسة ما بعد اليونيفيل. فالمؤسسة العسكرية ستتحمل مسؤوليات أكبر في الجنوب، وستحتاج إلى التدريب والتجهيز والتمويل والخبرة. كما تريد فرنسا الحفاظ على دور لها في أي صيغة دولية مستقبلية.
المهم بالنسبة إلى لبنان أن يتحول التنافس الدولي على الأدوار إلى دعم فعلي للمؤسسة العسكرية، لا إلى صراع نفوذ فوق الأرض اللبنانية.
علي الطاهر… الخطر لم يتراجع
في مقابل الحركة الدبلوماسية، يبقى الميدان أكثر تشاؤماً.
وتقول مصادر فرنسية إن الضغط الأميركي منع إسرائيل حتى الآن من توسيع المواجهة. لكنها تحذر من أن علي الطاهر قد تتحول إلى نقطة تفجر أوسع إذا تصاعد الصراع الأميركي–الإيراني.
كما تتحدث تقارير عن استمرار الاستعدادات الميدانية واحتمال أن يستخدم نتنياهو أي تحرك عسكري هناك في حساباته الانتخابية الداخلية.
لكن يجب الفصل بين المؤكد والمحتمل.
المؤكد: إسرائيل تواصل القصف والغارات على علي الطاهر ومحيطها.
غير المحسوم: حجم المنشآت الموجودة هناك، وطبيعة العملية الإسرائيلية المحتملة، وموعدها.
هذه التفاصيل تعتمد بدرجة كبيرة على مصادر سياسية وأمنية وإعلامية، وليست نتائج تحقيق لبناني رسمي.
الحزب يرفض تسليم علي الطاهر
نقلت «الجمهورية» عن مصدر بارز في الحزب الإيراني قوله إن الجهة المسلحة ليست في وارد تسليم تلة علي الطاهر إلى الجيش أو أي جهة أخرى، معتبراً أن المنطقة تقع شمال الليطاني وأن القرار 1701 يتناول حصرية السلاح جنوب النهر.
هذا الموقف يضع عقدة واضحة أمام التسوية المقترحة التي تقوم على انتشار الجيش في التلة لمنع إسرائيل من مهاجمتها.
وفي المقابل، لا يمكن مطالبة الجيش بتسلم الموقع من دون ضمان وقف الهجمات الإسرائيلية عليه بعد انتشاره.
لذلك يحتاج الحل إلى ضمانة متزامنة: الجيش ينتشر، وإسرائيل تلتزم عدم استهداف الموقع والانسحاب من الأراضي المحتلة.
الجنوب تحت النار رغم التحرك الدبلوماسي
استمر التصعيد في حولا ووادي السلوقي والحجير وكفرتبنيت وزوطر الشرقية والمنصوري ومجدل زون والخيام ومناطق أخرى.
كما شن الطيران الإسرائيلي غارات على مرتفع علي الطاهر ومحيط الدبشة ودوحة كفررمان، واستمر القصف حتى ساعات الفجر.
هذه الوقائع تكشف المشكلة الأساسية في المسار الحالي.
لبنان يبحث في روما والفاتيكان مستقبل الجنوب، بينما تستمر إسرائيل في تغيير واقعه الميداني يومياً.
ولهذا لا يمكن قياس النجاح بعدد الاجتماعات. المعيار هو انخفاض القصف، وقف التفجيرات، بدء الانسحاب، وعودة السكان.
كتلة الحزب تدعو إلى إسقاط «صيغة الإطار»
جددت كتلة «الوفاء للمقاومة» دعوتها السلطة إلى إعلان انتهاء «صيغة الإطار» والانسحاب من المفاوضات، معتبرة أن المسار لم يحقق المطالب اللبنانية.
لكن الدعوة تترك سؤالاً أساسياً بلا جواب واضح في الملف: ما البديل العملي؟
فإسقاط التفاوض من دون امتلاك مسار آخر يوقف الاعتداءات ويحقق الانسحاب قد يعيد لبنان إلى خيار عسكري ثبتت كلفته العالية.
السلطة، في المقابل، مطالبة بأن تثبت أن الدبلوماسية تنتج نتائج. استمرار التفاوض إلى ما لا نهاية من دون انسحاب يضعف صدقيته أيضاً.
العقوبات الأميركية تضرب شبكات التمويل
برز تطور أميركي جديد مع إعلان وزارة الخزانة عقوبات على أشخاص وشركات مرتبطة بإيران.
ووفق ما ورد في التقرير، تشمل الإجراءات عشرة أفراد ضمن شبكة متهمة بتحويل أموال نقدية إلى الحزب الإيراني عبر رحلات تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران. كما تحدثت الخزانة عن مبالغ تصل إلى مئات ملايين الدولارات.
هذه اتهامات وعقوبات صادرة عن وزارة الخزانة الأميركية، وليست أحكاماً قضائية لبنانية. لذلك ينبغي نسبها بوضوح إلى الجهة الأميركية.
ويأتي التصعيد المالي بالتوازي مع الضغط السياسي لحصر السلاح وتعزيز الدولة.
دعم القرى الجنوبية يتحول إلى ملف عودة
تابع رئيس الحكومة نواف سلام خطط العودة والتعافي في عدد من القرى، بينها فرون وقالويه وصريفا وبرج قالويه وزوطر الغربية والغندورية.
ويركز العمل على إعادة الخدمات، الوحدات السكنية الجاهزة، إصلاح المنازل غير المدمرة بالكامل، وتأمين دعم مالي للإيجارات.
هذا المسار مهم لأن استعادة الدولة للجنوب لا تبدأ وتنتهي بالانتشار العسكري.
السيادة تعني أيضاً أن يستطيع الأهالي العودة إلى بيوتهم، وأن تعمل الطرق والمدارس والمياه والكهرباء والخدمات الأساسية.
قانون العفو يعود إلى دائرة الطعن
استمر الجدل حول قانون العفو العام، بعدما طالب جبران باسيل رئيس الجمهورية برد القانون إلى مجلس النواب، وأعلن نية الطعن فيه، مع اعتراضه على مواد يراها مخالفة للدستور وتمس حقوق الجيش والضحايا.
هذه مواقف سياسية وليست حكماً قضائياً على دستورية القانون.
وسيحدد مسار الطعن، إذا قُدم، ما إذا كانت الاعتراضات ستنتقل من السجال السياسي إلى مراجعة دستورية رسمية.
قضية باسكال سليمان… القرار القضائي يغيّر توصيف الجريمة
برز أيضاً تطور قضائي في ملف باسكال سليمان.
وبحسب ما نقلته أرملته ميشلين وهبه سليمان عن قرار قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان، لم يعد الملف يُقدَّم كحادثة سرقة سيارة انتهت بالقتل، بل كخطف وقتل عمد ضمن مشروع جرمي مخطط له، فيما بقي الدافع غير محسوم وفق معطيات الملف.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
القرار القضائي، بحسب ما نقلته المادة، يغير توصيف وقائع الجريمة.
أما الدافع النهائي والجهة أو الخلفية التي تقف وراءها فلا يزالان غير مثبتين في المادة، وبالتالي لا يصح استباق التحقيق.
صندوق النقد يرحب بإصلاح المصارف
اقتصادياً، رحب صندوق النقد بإقرار قانون إعادة هيكلة المصارف، واعتبره خطوة إيجابية نحو مواءمة التشريعات اللبنانية مع المعايير الدولية.
كما يشير التقرير إلى استئناف اجتماعات الصندوق في بيروت في منتصف أيلول. وفي الوقت نفسه، دعت السفارة الأميركية الحكومة إلى استكمال قانون الفجوة المالية.
لكن التحدي لم يتغير:
إعادة هيكلة المصارف ليست استعادة للودائع.
نجاح الإصلاح سيقاس بطريقة توزيع الخسائر، وتحديد المسؤوليات، وضمان حقوق أصحاب الأموال.
الصادرات إلى السعودية تعود
سجل الاقتصاد خطوة إيجابية مع تشغيل جهاز Scanner متطور في معبر المصنع، بهدف تعزيز الرقابة ومكافحة التهريب.
وبالتزامن، أعلن استئناف الصادرات اللبنانية إلى السعودية بعد توقف استمر سنوات، فيما أكد السفير السعودي فهد الدوسري ثقته بالدولة اللبنانية.
هذه الخطوة مهمة اقتصادياً وسياسياً.
فاستعادة الأسواق الخليجية ترتبط بقدرة لبنان على إثبات أنه يضبط المعابر ويكافح التهريب ويحمي حركة الصادرات الشرعية.
ملف المرفأ قد يتحرك من جديد
تضمن التقرير أيضاً قراءة قضائية تتعلق بمالك سفينة «روسوس» إيغور غريتشوشكين.
وكان القضاء البلغاري رفض طلب تسليمه إلى لبنان عام 2025، ومن أسباب الرفض غياب ضمانات كافية بعدم تعرضه لعقوبة الإعدام. وبعد إلغاء هذه العقوبة في لبنان، تغير أحد العناصر القانونية التي استند إليها القرار السابق.
لكن المصادر القضائية تؤكد أن هذا لا يعيد فتح الملف تلقائياً، بل يحتاج إلى طلب لبناني جديد ومسار قانوني جديد.
وإذا تحركت السلطات اللبنانية، فقد يعود أحد أكثر ملفات التحقيق في انفجار المرفأ حساسية إلى الواجهة.
إيران وواشنطن… الاقتصاد يحل مكان الحرب المباشرة
إقليمياً، تستمر المواجهة الأميركية–الإيرانية من دون تسوية نهائية.
وتقدم بعض النشرات المشهد باعتباره انتقالاً من الحرب المباشرة إلى الحصار والضغط الاقتصادي، فيما ترفع طهران في المقابل خطابها حول الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.
ولا يوجد في التقرير اتفاق جديد أو مسار تفاوضي واضح.
وهذا الغموض مهم للبنان، لأن مستقبل علي الطاهر والجنوب يرتبط، وفق عدد من التحليلات الواردة، بدرجة التوتر بين واشنطن وطهران.
خلاصة المشهد
يضع يوم 21 آب لبنان أمام انتقال حقيقي في طبيعة الأزمة الجنوبية.
تسليم موقع الخردلي إلى الجيش يعني أن الحديث عن ما بعد اليونيفيل لم يعد نظرياً. العد التنازلي بدأ، والدولة ستتحمل مسؤولية أكبر كلما اقتربت نهاية السنة.
في المقابل، لا يزال السؤال الأخطر بلا جواب: من يضمن للجيش البيئة التي تسمح له بأداء هذه المهمة؟
إسرائيل تواصل القصف، علي الطاهر معلقة، آلية التحقق غير مكتملة، ولا اتفاق نهائياً على القوة الدولية البديلة.
عون يحاول بناء شبكة حماية من الفاتيكان إلى روما وباريس. لكن نجاحها سيُقاس بما يحدث في الجنوب، لا بما يصدر من بيانات.
وفي الداخل، لا يكفي القول إن الدولة ستتسلم الأرض. يجب أن تصبح صاحبة قرار الحرب والسلم والسلاح، وأن تحصل في المقابل على انسحاب إسرائيلي وضمانات تمنع العودة إلى الاحتلال والتدمير.
ما بعد اليونيفيل يجب ألا يعني جنوباً بلا حماية. المطلوب أن يعني جنوباً تنتقل فيه المسؤولية إلى الجيش، تحت سيادة الدولة، وبمظلة دولية تمنع أن يتحول الفراغ إلى حرب جديدة.



