44 عامًا على انتخاب بشير… فمتى تصبح الدولة وحدها صاحبة القرار؟

في 23 آب 1982، انتُخب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية اللبنانية في واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيدًا في تاريخ لبنان الحديث. كان البلد يومها ممزقًا بالحرب، ومفتوحًا على احتلالات وجيوش وتنظيمات مسلحة ونفوذ خارجي متداخل، فيما كانت مؤسسات الدولة قد فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على فرض سلطتها على كامل أراضيها. وبعد 44 عامًا على ذلك الاستحقاق، تغيّرت أسماء اللاعبين وتبدلت الظروف الإقليمية والدولية، لكن السؤال اللبناني الأساسي بقي نفسه: متى تصبح الدولة وحدها صاحبة القرار؟
عشية انتخابه، قدّم بشير الجميل رؤية واضحة للبنان الذي يريد بناءه، تقوم على استعادة السيادة على كامل الأراضي اللبنانية، وإعادة السلطة إلى مؤسسات الدولة، وخروج القوى الأجنبية، وبناء جيش لبناني قوي قادر على حماية وحدة البلاد. وبعد انتخابه، حاول أن يقدّم نفسه رئيسًا لجميع اللبنانيين، لا رئيسًا لفريق واحد، واضعًا إعادة بناء الدولة في صلب المرحلة الجديدة التي كان يستعد لقيادتها.
لم يكن الحديث عن الدولة يومها شعارًا تجميليًا. كان أصل المشكلة اللبنانية. فالحرب لم تكن فقط مواجهة بين أحزاب وطوائف، بل كانت أيضًا نتيجة انهيار سلطة الدولة وتعدد القوى التي امتلكت السلاح والقرار والنفوذ على الأرض. لذلك كان مشروع استعادة الدولة يعني، في جوهره، إعادة القرار السياسي والأمني والعسكري إلى مؤسسات الجمهورية، بحيث لا يبقى لبنان ساحة تُدار من خارجها أو من قوى تعمل موازية لها.
بعد 44 عامًا، تبدو المفارقة ثقيلة. فلبنان في 2026 يناقش مجددًا القضايا نفسها: حصرية السلاح، قرار الحرب والسلم، دور الجيش، بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي، ومن يملك حق اتخاذ القرار عندما يتعلق الأمر بأمن اللبنانيين ومستقبلهم. هذه ليست أسئلة مستخرجة من أرشيف 1982، بل هي في قلب النقاش السياسي الحالي.
رئيس الجمهورية جوزاف عون شدد أكثر من مرة على أن حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم من أسس قيام الدولة، وأن حماية الأرض والمواطنين هي مسؤولية المؤسسات الشرعية. كما أكد مجلس الوزراء مبدأ حصر القرار العسكري والأمني بيد الدولة. لكن التجربة اللبنانية أثبتت أن إعلان المبدأ شيء، وتحويله إلى واقع شيء آخر تمامًا.
فالدولة لا تصبح صاحبة القرار لمجرد أن مجلس الوزراء يصدر قرارًا يقول ذلك، ولا لأن المسؤولين يكررون عبارة “حصرية السلاح”. تصبح الدولة صاحبة القرار عندما لا يستطيع أي طرف أن يقرر الحرب بدلًا منها، وعندما لا توجد قوة مسلحة تفرض عليها أمرًا واقعًا، وعندما يكون الجيش وحده المرجعية العسكرية، وعندما يصبح تطبيق القانون والسيادة مسألة طبيعية لا موضوعًا لمفاوضات وتسويات مستمرة.
وهنا تكتسب ذكرى انتخاب بشير الجميل معناها السياسي الحقيقي. المطلوب ليس العودة إلى الماضي أو تحويل المناسبة إلى محطة عاطفية، بل طرح السؤال الذي بقي معلقًا منذ ذلك الوقت: ماذا فعل لبنان بمشروع الدولة الذي كان يفترض أن يكون أساس الجمهورية؟
فبعد عقود من الحروب والاحتلالات والتسويات والانقسامات، لم يعد اللبنانيون بحاجة إلى تعريف جديد للدولة. مفهومها واضح: جيش واحد، مؤسسات واحدة، سلطة واحدة، وحدود تخضع لقرار الدولة، وحرب وسلم لا يقررهما سوى من منحهم الدستور هذه الصلاحية. المشكلة لم تعد في معرفة ما يجب أن تكون عليه الجمهورية، بل في القدرة السياسية على الوصول إليها.
ومن هنا تصبح المقارنة بين 1982 و2026 أكثر من مجرد استعادة تاريخية. بشير الجميل انتُخب في زمن كانت فيه الدولة ضعيفة وممزقة، وكان مشروعه المعلن إعادة بنائها واستعادة سيادتها. واليوم، بعد 44 عامًا، تقول الدولة اللبنانية نفسها إنها تريد بسط سلطتها وحصر السلاح والقرار بيد مؤسساتها. أي أن الهدف الذي كان يُطرح في قلب الحرب لا يزال، بأشكال مختلفة، مطروحًا في قلب الجمهورية.
لكن الوقت لم يعد مفتوحًا إلى ما لا نهاية. فكل تأجيل جديد لحسم مسألة الدولة الواحدة والقرار الواحد يعني بقاء لبنان معرضًا للدخول مجددًا في صراعات لا يملك قرار بدايتها ولا نهايتها، فيما يدفع اللبنانيون ثمنها أمنًا واقتصادًا واستقرارًا.
في 23 آب 1982، انتُخب بشير الجميل على مشروع دولة تستعيد سلطتها وقرارها. وبعد 44 عامًا، لا يزال لبنان أمام الامتحان نفسه تقريبًا.
فمتى تصبح الدولة وحدها صاحبة القرار؟



