قماطي يفتح باب الحوار مع «الشيطان الأكبر»… ماذا تغيّر؟

لسنوات، بنى “الحزب” جزءًا أساسيًا من خطابه السياسي على العداء للولايات المتحدة، وقدّم واشنطن باعتبارها رأس المشروع المعادي في المنطقة و”الشيطان الأكبر”. لكن عضو المجلس السياسي محمود قماطي خرج هذه المرة بلغة مختلفة تمامًا: باب التواصل مع الأميركيين ليس مغلقًا نهائيًا.
الجملة وحدها تكفي لطرح السؤال: ماذا تغيّر؟
قماطي لم يعلن وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن، لكنه أسقط للمرة الأولى تقريبًا فكرة أن التواصل معها محرّم أو مستبعد بالمطلق. وبعد الضجة التي أثارها كلامه، صدر توضيح عن العلاقات الإعلامية في “الحزب” قال إن المقصود في جزء من حديثه كان “مسار إسلام آباد” لا “مسار واشنطن”.
لكن التصويب لم يمحُ السؤال الذي فتحه قماطي بنفسه.
فإذا كان باب التواصل مع الأميركيين غير مغلق، فهذا يعني أن المسألة لم تعد مبدأً ثابتًا كما صُوّرت طوال سنوات، بل خيارًا يمكن فتحه عندما تتغيّر الحسابات.
وهنا تظهر المفارقة.
كم مرة استُخدم التواصل مع واشنطن مادة للتخوين السياسي؟ وكم مرة قُدِّم الأميركي باعتباره الطرف الذي لا يمكن الرهان عليه ولا التفاهم معه، فيما كان كل تقارب لبناني معه يُقرأ تحت عنوان الارتهان للخارج؟
اليوم، عندما يأتي الكلام من داخل “الحزب”، يصبح الباب نفسه غير مغلق.
المشكلة ليست في مجرد وجود قناة أو عدم وجودها. المشكلة في ازدواجية الخطاب: ما كان يُستخدم لتخوين الآخرين، يصبح قابلًا للنقاش عندما تصل الحاجة إليه إلى أصحاب الخطاب أنفسهم.
والتوقيت ليس تفصيلًا. “الحزب” يواجه اليوم ضغطًا سياسيًا وعسكريًا غير مسبوق، فيما تتصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بالسلاح، وبمستقبل الجنوب، وبترتيبات ما بعد الحرب. وفي خضم ذلك، يأتي كلام قماطي ليترك نافذة مفتوحة باتجاه الطرف الذي أمضى “الحزب” عقودًا في تقديمه كعدو مطلق.
لذلك، المسألة لا تحتاج إلى كثير من التفسير.
قماطي قال إن الباب ليس مغلقًا.
والحزب لم يخرج ليقول إن التواصل مع واشنطن مستحيل بالمبدأ، بل صحّح الجزء المتعلق بالمسار الذي كان يتحدث عنه.
وهذا وحده تطور سياسي يستحق التوقف عنده.
فإذا كانت واشنطن ما تزال “الشيطان الأكبر”، لماذا يبقى باب التواصل معها مفتوحًا؟
وإذا أصبحت المصلحة السياسية تسمح بفتح هذا الباب، فماذا يبقى من كل الخطاب الذي جرى استخدامه طوال سنوات ضد الآخرين؟
المشكلة ليست أن “الحزب” قد يحاور واشنطن. المشكلة أن ما كان يُدان عند الآخرين يبدو اليوم قابلًا للبحث عندما تصبح الحاجة إليه عنده.
وهنا يصبح السؤال الذي فتحه قماطي أكبر من تصريح تلفزيوني:
هل تغيّرت الولايات المتحدة… أم أن “الحزب” هو الذي بدأ يغيّر حساباته؟



