من حزب الفعل إلى حزب البيانات: إمّا تفاوض يُنهي السلاح أو حرب يتحمّل مسؤوليتها الجميع

جدّدت ما تُسمّى «كتلة الوفاء للمقاومة» دعوتها السلطة إلى إعلان موت «اتفاق الإطار» والانسحاب من المفاوضات وجولاتها، بالتوازي مع حملة تخوين وإدانة للدولة وأركانها. لكن قبل الدخول في مضمون هذه الدعوة، لا بد من التوقف عند دلالتها السياسية الأهم: مجرد صدور هذه البيانات يكشف أن الحزب انتقل من حزب الفعل إلى حزب البيانات.

فالحزب الذي كان يتباهى بقدرته على فرض إرادته على الدولة، ويمتلك فائض القوة لفرض ما يريد، بات اليوم يكتفي بالإدانة والتنديد والتخوين وإطلاق المواقف. أي إنه، عمليًا، لم يعد قادرًا على الفعل، ولم تعد أدواته تتجاوز البيانات.

ومن هنا، فإن دعوته الدولة إلى الانسحاب من التفاوض تطرح سؤالًا جديًا لا يمكن التهرب منه: ماذا لو كانت الدولة اللبنانية نفسها لا تريد أن تؤدي المفاوضات إلى النتيجة الطبيعية المطلوبة، أي إنهاء حالة السلاح غير الشرعي وحصر القوة العسكرية بالدولة وفتح الطريق أمام السلام؟

في هذه الحالة، فلتنسحب الدولة من المفاوضات بكل وضوح، ولتعلن أن كل طرف يتحمّل مسؤولية خياره ونتائجه. فلا يمكن أن يستمر التفاوض لمجرد التفاوض، ولا أن تتحول الجولات إلى غطاء لإدارة الأزمة وإبقاء الوضع القائم على حاله.

وقد قال رئيس الجمهورية جوزيف عون بوضوح إن الخيارات المطروحة هي الحرب أو الدبلوماسية، ولا خيار ثالث بينهما. وهذا الكلام يفترض أن تكون الدبلوماسية وسيلة للوصول إلى نتيجة، لا غاية بحد ذاتها. فإذا كانت المفاوضات لن تقود إلى إنهاء الأسباب التي أبقت لبنان في دائرة الحرب، وفي مقدّمها السلاح الخارج عن الدولة، فما جدوى استمرارها؟

عندها يصبح من حق الدولة أن تقول بوضوح: إما تفاوض يقود إلى إنهاء هذه الوضعية وقيام دولة واحدة صاحبة القرار، وإما تعليق التفاوض وترك الطرف الذي يرفض الحلول السياسية يتحمّل مسؤولية خياراته.

فأسوأ ما يمكن أن يحصل هو أن يبقى لبنان عالقًا في مفاوضات لا تنهي الحرب، ولا تنهي السلاح، ولا تفتح طريق الاستقرار، فيما يستمر الحزب في تخوين الدولة واتهامها، من دون أن يمتلك القدرة أو الجرأة على تقديم بديل سوى المزيد من البيانات.

وقد يكون السؤال الأصعب، والأكثر واقعية، هو: إذا كانت المفاوضات عاجزة عن إنهاء الوضعية التي أوصلت لبنان إلى هذا المأزق، فهل يمكن أن تكون مواجهة جديدة هي التي تفرض في النهاية إنهاء هذه الوضعية؟

المسؤولية هنا تقع على الدولة أولًا: إما أن تجعل التفاوض طريقًا فعليًا إلى إنهاء الحرب وحصر السلاح بيدها، وإما أن تتوقف عن إعطاء الانطباع بأن المفاوضات يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وتترك لكل طرف أن يتحمل مسؤولية خياره.

فلبنان لا يحتاج إلى مفاوضات لإدارة أزمته، بل إلى قرار ينهيها.