هل يدرك النائب جبران باسيل أن أحدًا لم يعد يكترث لمواقفه وأقواله؟ وهل يدرك أن كلامه لم يعد يستوقف أحدًا، وأن مواقفه المتنقلة وترقيصاته السياسية جعلت من الصعب على اللبنانيين أن يفهموا ماذا يريد، وأين يقف، وإلى أين يريد أن يصل؟
هل يدرك باسيل أن السؤال لم يعد: ماذا قال جبران باسيل؟ بل: ماذا يريد جبران باسيل من قوله؟ وهل هو مع هذا الفريق أم ضده؟ مع هذه الدولة أم ضدها؟ مع السلاح أم ضده؟ مع محور الممانعة أم يحاول الخروج منه؟ فالرجل يريد أن يكون مع الجميع وضد الجميع في آن، فيما الواقع السياسي لا يسمح بهذه المعادلة إلى ما لا نهاية.
فمنذ سنوات، لم يعرف باسيل كيف يخرج من تحالفه الاستراتيجي مع «الحزب الإيراني» في لبنان، ولا هو يريد، في الوقت نفسه، أن يذهب بعيدًا في اتجاه آخر. ولذلك بقي في المنطقة الرمادية: يخفّف من اندفاعه في الدفاع عن الحزب وسلاحه عندما يشعر أن الرأي العام اللبناني لم يعد يتقبّل هذا الخطاب، ثم يعود إلى التموضع حيث يستطيع الحفاظ على العلاقة مع الحزب ومصالحه السياسية.
لكن المشكلة أن هذه اللعبة أصبحت مكشوفة.
فلا أحد، في الداخل أو الخارج، يشكّك جديًا في أن باسيل ما زال حليفًا للحزب. وقد يكون باسيل أدرك أن الدفاع المباشر عن السلاح الإيراني بات مهمة شبه مستحيلة، ولذلك يحاول تغيير اللغة لا الموقف، والابتعاد عن التفاصيل لا عن جوهر التحالف.
وهنا تكمن المفارقة.
فالفريق الذي يتمسّك بالسلاح يحتاج إلى حلفاء سياسيين يخوضون المواجهة نيابة عنه، ولا سيما في مواجهة القوى التي تطالب بقيام دولة فعلية، سيدة، قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها واحتكار قرار الحرب والسلم. وفي هذا السياق، لا يبدو باسيل قادرًا على قطع العلاقة مع الحزب، لأن هذه العلاقة تشكّل بالنسبة إليه ورقة سياسية وانتخابية لا يريد التخلّي عنها.
لكن الحزب نفسه يعرف أن باسيل لم يعد قادرًا على الدفاع عن السلاح كما كان يفعل سابقًا. ولذلك يبقى المطلوب منه، في الحد الأدنى، أن يحافظ على خط المواجهة السياسية مع القوى السيادية، وفي طليعتها «القوات اللبنانية»، تحت عناوين مختلفة، من الدفاع عن الجيش إلى حماية السلم الأهلي إلى رفض «استهداف الطائفة» أو غيرها من الشعارات التي لم تعد تقنع اللبنانيين كما كانت تفعل في السابق.
والواقع أن من يريد فعلاً حماية الجيش اللبناني لا يمكنه أن يضعف دوره، ولا أن يقبل بوجود قوة عسكرية موازية له، ولا أن يتعامل مع سلاح خارج الدولة وكأنه مسألة وجهة نظر.
القوى السيادية، وفي طليعتها «القوات اللبنانية»، تريد جيشًا واحدًا، وسلاحًا واحدًا، وقرارًا واحدًا، ودولة واحدة. أما باسيل والحزب، فيلتقيان، رغم كل الخلافات الظاهرة بينهما، عند رفض الوصول إلى هذه المعادلة كاملة.
أما العقوبات الأميركية، فهي عامل آخر لا يمكن تجاهله في قراءة موقع باسيل. فالرجل معاقب أميركيًا، وهذا الأمر جعل كثيرين يتعاملون معه بحذر، ويجعل هامش حركته الخارجية والسياسية أضيق مما يحاول الإيحاء به. ومن الصعب على شخصية سياسية تريد استعادة موقعها وثقة الداخل والخارج أن تتجاهل أن ملف العقوبات أصبح جزءًا من صورتها السياسية.
لذلك، قد يكون السؤال الأكثر إيلامًا لباسيل اليوم ليس: مع من أنت؟ بل: هل ما زلت قادرًا على إقناع أحد بأنك تعرف مع من أنت؟
فلبنان لم يعد يحتمل سياسة «لا مع هؤلاء ولا مع أولئك»، ولا سياسة إبقاء الأبواب مفتوحة في كل الاتجاهات، ولا محاولة الإمساك بالعصا من وسطها. واللبنانيون باتوا يريدون إجابات واضحة: هل مع الدولة أم مع الدويلة؟ هل مع الجيش أم مع السلاح الموازي؟ هل مع السيادة أم مع القرار المرتبط بالخارج؟
وهنا تحديدًا تبدو أزمة باسيل.
فهو يحاول أن يقدّم نفسه في موقع جديد، من دون أن يدفع ثمن الخروج من موقعه القديم. يريد الابتعاد عن الحزب من دون التخلّي عن التحالف معه، ويريد التقرّب من القوى الأخرى من دون قطع الطريق على عودته إلى الحزب، ويريد مخاطبة الرأي العام السيادي من دون أن يخسر الرأي العام الذي اعتاد أن يخاطبه من موقع التحالف مع الحزب.
لكن هذه المعادلة لم تعد تعمل.
لأن السياسة، في نهاية المطاف، ليست مجموعة مواقف متفرقة، بل موقع وخيارات ومسؤولية. ومن لا يحدد موقعه بوضوح، يحدد الآخرون موقعه عنه.
فهل يدرك النائب جبران باسيل أن المشكلة لم تعد في أن الناس تختلف معه، بل في أن كثيرين لم يعودوا يتوقفون عند ما يقول؟ وهل يدرك أن كثرة تبديل المواقف لا تعني بالضرورة القدرة على المناورة، بل قد تعني، في لحظة سياسية معينة، فقدان المصداقية؟
وهل يدرك، أخيرًا، أن اللبنانيين لم يعودوا يسألون فقط ماذا قال جبران باسيل، بل لماذا قاله، ولمن قاله، وما الذي يريد الوصول إليه من خلاله؟
ربما آن الأوان لباسيل أن يجيب عن هذه الأسئلة بوضوح.
لأن زمن الوقوف في كل المواقع في الوقت نفسه يقترب من نهايته، ولأن لبنان الجديد الذي يتشكّل اليوم سيجبر الجميع على الاختيار: مع الدولة أم خارجها؟ مع السيادة أم ضدها؟
وعندها، لن يكون السؤال من يكترث بجبران باسيل، بل: أين يقف جبران باسيل؟




