شارل جبّور
الخطأ الفادح الذي ترتكبه الدولة اللبنانية اليوم هو أنها ما زالت تتعامل مع سلاح “الحزب الإيراني” وكأنه قضية لبنانية داخلية، ومع الحزب نفسه وكأنه مجرد مكوّن من مكوّنات الحياة السياسية اللبنانية، فيما الحقيقة التي يجب أن تكون نقطة الانطلاق في أي مقاربة سياسية أو تفاوضية هي أن هذا السلاح هو سلاح إيراني، وأن “حزب الله” هو الأداة الإيرانية المسلحة في لبنان، وأن وجود هذا السلاح هو الذي أبقى لبنان ساحة مفتوحة للحرب والتهديد وعدم الاستقرار.
والعودة إلى التاريخ قد تكون مفيدة على هذا المستوى. فعندما اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982، لم يكن السبب نزاعًا لبنانيًا ـ إسرائيليًا بالمعنى التقليدي، بل تحوّل لبنان إلى منصة عسكرية لاستهداف إسرائيل من جانب منظمة التحرير الفلسطينية، من خارج قرار الدولة اللبنانية وسيادتها. وحينها كانت الدولة قد تحولت عمليًا إلى دولة شكلية، عاجزة عن ممارسة سلطتها على كامل أراضيها. ولم يبدأ التفاوض بين لبنان وإسرائيل من أجل خروج إسرائيل إلا بعد إزالة التهديد الفلسطيني الذي كان سببًا في دخولها إلى لبنان. أي أن المنطق كان واضحًا: إزالة التهديد أولًا، ثم البحث في ترتيبات الانسحاب.
وهذا هو المنطق الذي يجب أن يحكم المرحلة الحالية. فالخطأ الذي ترتكبه الدولة اللبنانية اليوم هو أنها تقلب الأولويات، فتتعامل مع الانسحاب الإسرائيلي قبل إزالة التهديد الذي كان سببًا في دخولها إلى لبنان. وهذا يعني، عمليًا، التعامل مع التهديد الذي أدخل إسرائيل إلى لبنان وكأنه شأن لبناني داخلي، بدلًا من التعامل معه باعتباره المشكلة التي يجب أن تُحل أولًا.
السلاح الإيراني في لبنان، المستخدم من جانب الأداة الإيرانية المسمّاة “حزب الله”، ليس سلاح الدولة اللبنانية، ولا سلاح اللبنانيين، ولا جزءًا من منظومة الدفاع الوطني. إنه سلاح خارج الدولة، مرتبط بقرار إيراني، وقد أثبتت التجربة أنه يشكل تهديدًا على لبنان قبل أي طرف آخر. ولا يجوز أن تتقدّم أي أولوية على أولوية معالجة أصل المشكلة: نزع سلاح “حزب الله” وإنهاء تنظيمه العسكري والأمني.
وبعد إزالة التهديد الذي أدخل إسرائيل إلى لبنان مرارًا وتكرارًا، يصبح من الطبيعي أن يبحث لبنان وإسرائيل في سبل الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات الحدود والأمن والعلاقات بين الدولتين. أما أن يُطلب من إسرائيل الانسحاب، فيما يبقى السلاح الذي تعتبره تهديدًا قائمًا، فذلك يعني إبقاء أصل المشكلة على حاله، وإبقاء لبنان في دائرة الشك والحرب والتهديد. وهذا، فضلًا عن كونه مطالبة إعلامية فارغة، لأن إسرائيل لن تنسحب قبل نزع سلاح “الحزب الإيراني”، عدا عن أن اتفاق الإطار قال بوضوح إن المدخل إلى انسحاب إسرائيل هو إزالة التهديد العسكري الإيراني.
وهنا تحديدًا تقع مسؤولية الدولة اللبنانية. فالدولة لا تستطيع أن تبني سياستها على الخشية من “الحزب الإيراني”، ولا على مراعاة رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولا على الحسابات الداخلية المرتبطة بهذه البيئة أو تلك. وظيفة الدولة ليست إدارة الخوف من السلاح الخارج عن سلطتها، بل إنهاء هذا السلاح ووضعه حصرًا في عهدة المؤسسات الشرعية.
وإذا كانت الدولة اللبنانية عاجزة عن قول الحقيقة في المفاوضات، فإنها ستبقى تدور في الحلقة نفسها: إسرائيل باقية لأنها ترى تهديدًا، و”الحزب الإيراني” باقٍ لأنه يتمسّك بسلاحه، ولبنان باقٍ دولة مشلولة، لأن لا دولة يمكن أن تقوم بوجود قوة عسكرية وأمنية موازية لها.
المطلوب إذًا ليس ترتيب الأولويات فحسب، بل تصحيحها بالكامل. الأولوية الأولى والوحيدة هي نزع السلاح الإيراني من لبنان. وعلى الدولة اللبنانية أن تقول بوضوح: نحن نفاوض إسرائيل على إخراجها من لبنان بعد إزالة التهديد الذي أدخلها إلى لبنان، لا أن نفاوضها على الانسحاب فيما يبقى التهديد قائمًا.
وهذا التهديد لا يتعلّق حصرًا بإعادة إدخال إسرائيل، بل يرتبط، بشكل أكبر وأهم، بإبقاء لبنان دولة فاشلة ملحقة بإيران. فالقاعدة البديهية التي يجب أن تحكم أي مسار تفاوضي تكمن في إزالة التهديد الإيراني الذي يُبقي لبنان من دون سيادة، ويستجرّ التدخل الإسرائيلي.
أما الاستمرار في إعطاء الأولوية للانسحاب الإسرائيلي من دون الكلام عن نزع سلاح “الحزب الإيراني”، فهو دوران في حلقة مفرغة ستصبح عمرها ثلاث سنوات في 8 تشرين الأول المقبل، وقد أبقت لبنان ساحة من دون إحراز أي تقدّم على أي مستوى. لأن المشكلة ليست في وجود إسرائيل داخل لبنان فقط، بل في وجود السلاح الذي جعل من لبنان منصة عسكرية، وأبقى الدولة عاجزة عن حماية حدودها وقرارها وسيادتها.
لقد آن الأوان للدولة اللبنانية أن تتعامل مع السلاح الإيراني باعتباره مشكلة المشاكل. وما لم يُحسم هذا الملف، لن يُحسم شيء: لا الأمن، ولا الاستقرار، ولا السيادة، ولا الانسحاب الإسرائيلي، ولا قيام الدولة. وكل ما عدا نزع سلاح “حزب الله” ليس سوى دوران جديد في حلقة الحرب والفوضى والقتل والدمار.




