شارل جبّور
لا يستطيع رئيس الجمهورية جوزاف عون، ولا رئيس الحكومة نواف سلام، أن يتعاملا مع الرأي العام السيادي في لبنان على أنه في جيبهما، وأن بوسعهما أن يتصرّفا كما يشاءان، وأن هذا الرأي العام سيتفهّم كل خطوة، ويتغاضى عن كل تنازل، ويصفّق لكل مراوحة، انطلاقًا من أن المواجهة الأساسية هي مع الحزب الإيراني، وأن المطلوب من اللبنانيين الوقوف خلف الدولة في هذه المواجهة.
هذه المقاربة خاطئة. فالرأي العام اللبناني أمهل الدولة كثيرًا، وسلّفها كثيرًا، ووقف خلفها وصفّق لها عندما اتخذت قراراتها المتعلقة بحلّ التنظيم العسكري والأمني للحزب الإيراني ونزع سلاحه، وعندما انتقلت إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، وعندما رفعت خطاب الدولة والسيادة في خطاب القسم والبيان الوزاري والمواقف الرسمية.
لكن هذا الرأي العام لا يستطيع أن يمنح الدولة شيكًا على بياض، لأنه بدأ يسأل: إلى أين تتجه الدولة؟ وكيف ستصرف هذا الرصيد الذي منحها إياه؟ وهل ستذهب به إلى النهاية الطبيعية التي يفترض أن تقود إليها قراراتها، أم ستكتفي بإدارة الأزمة وتأجيل الحسم؟ الثقة ليست تفويضًا مفتوحًا، وفترة السماح ليست بلا نهاية. لقد بدأت هذه الفترة تنفد، وبدأ الرأي العام يتأفّف من المراوحة: لا تنفيذ فعلي للقرارات، ولا مواقف سياسية على مستوى المسؤولية المطلوبة، ولا مواجهة سياسية يومية وواضحة للمشروع الذي أوصل لبنان إلى ما هو عليه.
ويخطئ من يعتقد أن الحل عسكري فقط. نعم، يبقى الحل العسكري أحد الخيارات الأساسية لفرض سلطة الدولة ونزع السلاح غير الشرعي، لأن الدولة التي لا تستطيع فرض قراراتها تفقد هيبتها، والدولة بلا هيبة لا تستطيع أن تحمي مواطنيها ولا سيادتها. لكن المواجهة ليست عسكرية فقط. الموقف السياسي هو الأساس، وهو القاعدة التي تسبق أي إجراء آخر. وهنا تحديدًا كان يمكن للدولة اللبنانية أن تعتمد مقاربة مختلفة تمامًا. في كل استهداف إسرائيلي، كان يمكن للدولة أن تقول بوضوح: من يتحمّل مسؤولية استمرار الحرب وسقوط الضحايا وتهجير الناس ودمار القرى هو من يصرّ على إبقاء السلاح خارج سلطة الدولة. وفي كل إطلالة لنعيم قاسم، كان يمكن للدولة أن ترد بوضوح: من يمنع الدولة اللبنانية من بسط سيادتها لا يحق له أن يتحدث عن السيادة. وفي كل موقف لمسؤول إيراني يتدخّل في الشأن اللبناني، كان يمكن للدولة أن تقول: لبنان دولة ذات سيادة، ولا يحق لأي مسؤول إيراني أن يتحدث باسم اللبنانيين أو أن يحدد لهم خياراتهم.
والأهم، كان يمكن للدولة أن تتوجّه مباشرة إلى بيئة الحزب الإيراني، لا عبر الوسطاء ولا عبر البيانات الرمادية، لتقول لها الحقيقة كاملة: لا أحد يستطيع أن يعدكم بإعادة الإعمار أو بعودة الأهالي قبل معالجة أصل المشكلة، أي إنهاء الحالة المسلّحة الخارجة عن سلطة الدولة. ومن يقول لكم غير ذلك يبيعكم الوهم. لكن يبدو أن هناك من يريد مسايرة الرئيس نبيه بري، انطلاقًا من حجة أنه معنا ولا نريد إحراجه، فيما الوقائع السياسية تقول إن بري والحزب الإيراني في حالة تكامل وتوزيع أدوار، ولا يمكن فصل موقف أحدهما عن الآخر. وهناك من يخشى هجمات الذباب الإلكتروني، أو يحسب حسابًا لردود الفعل، أو يريد تجنّب المواجهة السياسية المباشرة.
لكن الدولة لا تُبنى بالخوف. وإذا كانت السلطة لا تريد نزع السلاح بالقوة، فهذا خيارها، وإن كان خيارًا يحتاج إلى كثير من التفسير أمام اللبنانيين. أما أن تعود، في المقابل، إلى أدبيات المرحلة السابقة، وإلى بيانات تعكس قاموس الحزب الإيراني وتمنحه الغطاء السياسي، فهذا أمر مرفوض. المطلوب ليس أن تكون الدولة أكثر تشددًا في البيانات، بل أن تكون أكثر وضوحًا في تحديد المسؤوليات.
فلا يمكن أن تقول الدولة إن السلاح يجب أن يكون حصريًا بيدها، ثم تتعامل سياسيًا مع الجهة التي تمنعها من تنفيذ هذا القرار وكأنها شريك طبيعي في تحديد مستقبل البلد. ولا يمكن أن تقول إن السيادة هي أساس الجمهورية، ثم تسمح لمن صادر قرار الدولة لعقود بأن يتحدث باسم السيادة. ولا يمكن أن تتحدث عن إعادة الإعمار وعودة الأهالي من دون أن تقول الحقيقة: المدخل إلى ذلك يكمن في نزع السلاح الإيراني.
احذروا غضب الرأي العام السيادي من الدولة، واحذروا أيضًا غضب هذا الرأي العام من الحزب الإيراني. فالناس بدأت تغضب من الطرفين: من حزب يصرّ على إبقاء لبنان في حالة حرب، ومن دولة تبدو عاجزة أو متردّدة في وضع حد لهذا الواقع. واللبنانيون لا يريدون حربًا أهلية، ولا يريدون مواجهة عبثية، ولا يريدون دولة تستقوي على فئة من اللبنانيين. ما يريدونه، ببساطة، هو دولة فعلية: دولة تقرّر، وتنفّذ، وتحمي، وتواجه، وتتحمّل مسؤولياتها.
والظرف الحالي غير مسبوق. لم يعد نظام الأسد موجودًا في سوريا. والحزب الإيراني في لبنان خرج منهكًا ومهزومًا من الحرب. وإيران نفسها تعرضت لضربة كبيرة في المواجهة الإقليمية. والبيئة العربية والخليجية والدولية والإقليمية باتت أكثر استعدادًا لمساعدة لبنان على استعادة دولته وسيادته. أي أن عناصر الحل، التي كانت تبدو مستحيلة في مراحل سابقة، باتت متوافرة اليوم أكثر من أي وقت مضى. ولهذا تحديدًا، فإن المطلوب ليس إضاعة الفرصة في إدارة الوقت، بل استثمارها في حسم المسار.
الرأي العام السيادي أعطى الدولة فرصة. وأعطاها ثقة. وساند قراراتها. لكنه لن ينتظر إلى ما لا نهاية. لا شيك على بياض. لا وقت مفتوحًا. ولا تفويضًا لإدارة المراوحة. حان وقت الحسم. ومن لا يريد أن يحسم، عليه أن يفسّر للبنانيين لماذا، وأن يتحمّل مسؤولية خياراته. أما أن تبقى الدولة في موقع اللافعل، أو في موقع التغطية أو غضّ النظر عن المشروع الإيراني في لبنان، فهذا لن يقبل به الرأي العام طويلًا. فاللبنانيون يريدون دولة فعلية وطبيعية. ومن لا يستطيع أن يبني الدولة، ومن لا يريد أن يحسم مسألة السلاح الإيراني الذي يمنع قيام دولة فعلية في لبنان، لا يملك ترف الاستمرار في الحكم إلى ما لا نهاية.




