نظام الأقاليم وحماية التعددية اللبنانية

من يعتذر للمسيحيين… ولماذا أصبحت الأقاليم ضرورة؟

آب 3, 2026
أحمد الأسير وقانون العفو في لبنان

لا قيمة لقانون عفو إذا بقي أحمد الأسير في السجن

آب 3, 2026
نظام الأقاليم وحماية التعددية اللبنانية

من يعتذر للمسيحيين… ولماذا أصبحت الأقاليم ضرورة؟

آب 3, 2026
أحمد الأسير وقانون العفو في لبنان

لا قيمة لقانون عفو إذا بقي أحمد الأسير في السجن

آب 3, 2026

4 آب عند السادسة وسبع دقائق… العدالة التي لم تصل

في الرابع من آب 2020، عند الساعة السادسة وسبع دقائق مساءً، لم تسمع بيروت دويّ انفجار عابر. في تلك اللحظة، تغيّر وجه المدينة، اقتُلعت أبواب البيوت ونوافذها، تحولت الشوارع إلى مستشفيات مفتوحة، وخرج آلاف اللبنانيين يبحثون بين الزجاج والركام عن أبنائهم وأهلهم.

ست سنوات مرّت، لكن الساعة ما زالت متوقفة عند السادسة وسبع دقائق.

غداً، في 4 آب 2026، ستُنكس الأعلام، تُقفل الإدارات الرسمية، وتتبدل برامج المحطات إحياءً للحداد الوطني. لكن المأساة لم تكن يوماً بحاجة إلى حداد رسمي جديد بقدر حاجتها إلى عدالة تنهي أطول لحظة انتظار عاشتها عائلات الضحايا.

فالتحقيق وصل هذه المرة إلى مرحلة مختلفة. المحقق العدلي القاضي طارق البيطار ختم المرحلة التحقيقـية، بعدما باتت لديه خلاصة الوقائع والمسؤوليات، وأحال الملف إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها قبل أن يعود إليه لإصدار القرار الاتهامي. الملف يضم آلاف الصفحات ونحو 70 مدعى عليهم، لكن الذكرى السادسة ستمر من دون القرار الذي ينتظره اللبنانيون.

وهنا يصبح التأخير أكثر إيلاماً. لأننا لم نعد أمام تحقيق ممنوع من العمل، ولا أمام قاضٍ لا يستطيع فتح الملف، بل أمام مرحلة إجرائية أخيرة يجب ألا تتحول إلى محطة جديدة من محطات دفن الحقيقة بالتقسيط.

العدالة لا تكتمل بكشف كيفية وصول نيترات الأمونيوم إلى المرفأ، ولا بمعرفة من علم بوجودها ومن تجاهل خطرها فقط. العدالة تعني تحديد المسؤوليات كاملة: من أدخل الشحنة؟ من أبقاها؟ من عرف بالخطر؟ من أهمل؟ من حمى؟ ومن عمل، بعد الكارثة، على تعطيل التحقيق ومنع القاضي من الوصول إلى المسؤولين؟

ولا يمكن إحياء ذكرى 4 آب من دون التذكير بما حدث في 25 كانون الثاني 2023، عندما أصدر النائب العام التمييزي السابق القاضي غسان عويدات قراراً بإطلاق سراح جميع الموقوفين في الملف، وعددهم 17، ومنعهم من السفر، في ذروة المواجهة مع القاضي البيطار. كان ذلك بعد أقل من ثلاثة أشهر على انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، وفي مرحلة بقيت فيها مفاعيل منظومة سياسية وقضائية قاومت التحقيق أقوى من مطلب أهالي الضحايا.

ذكر هذه الواقعة ليس دعوة إلى الانتقام من أحد، ولا حكماً مسبقاً على الموقوفين. لكنه تذكير بأن حقوقهم لم تكن أكثر قدسية من حقوق الضحايا، وأن إخلاء السبيل لا يجوز أن يتحول إلى نهاية فعلية للمحاسبة، ولا إلى باب يخرج منه الجميع ويبقى الأهالي وحدهم داخل قاعة الانتظار.

كما لا يجوز أن تبقى الحصانات والمناصب السابقة والحالية أسواراً تحمي المطلوبين للتحقيق. كل نائب أو وزير سابق، وكل قاضٍ أو مسؤول أمني أو إداري استدعاه المحقق العدلي، يجب أن يمثل أمام القضاء. ومن تخلّف عن المثول يجب أن تطبق بحقه الإجراءات القانونية، وأن تُرفع عنه أي حصانة تعيق التحقيق، من دون استثناء أو مساومة.

المثول أمام المحقق لا يعني الإدانة. بل هو الطريق الوحيد لإثبات البراءة أو تحديد المسؤولية. أما رفض الحضور، والاختباء خلف الاجتهادات والحصانات والنفوذ، فيعني أن بعض المسؤولين ما زالوا يتصرفون وكأن المواطن يُستدعى إلى القضاء، بينما يختار صاحب السلطة القضاء الذي يناسبه والموعد الذي يريده.

في 4 آب، لا يطلب أهالي الضحايا شفقة. لا يريدون خطاباً إضافياً، ولا إكليلاً جديداً، ولا صورة لمسؤول يقف دقيقة صمت ثم يعود إلى مكتبه. يريدون القرار الاتهامي، ثم محاكمة علنية أمام المجلس العدلي، تكشف الوقائع وتسمّي المسؤوليات وتمنح كل متهم حق الدفاع عن نفسه، وكل ضحية حقها في الحقيقة.

المحاسبة لا تعيد من رحلوا، لكنها تمنع قتلهم مرة ثانية بالنسيان. والعدالة لا تعمّر البيوت التي انهارت، لكنها تعيد بناء الحد الأدنى من الثقة بدولة انهارت هي الأخرى في ذلك المساء.

عند السادسة وسبع دقائق من مساء 4 آب، ستعود أسماء الضحايا وصورهم إلى الشوارع. وسيعود اللبنانيون إلى السؤال نفسه: كيف يمكن لدولة أن تعلن الحداد على مواطنيها، ثم تتردد ست سنوات في محاسبة من تسببوا بموتهم أو أهملوا حمايتهم؟

هذه المرة، لا يكفي أن نقول إن القرار الاتهامي قريب. يجب أن يصدر، وأن يُحال جميع المدعى عليهم إلى القضاء المختص، وأن يمثل كل من رفض التحقيق أمام العدالة.

لأن 4 آب ليس ذكرى انتهت.

إنه قضية مفتوحة، وجرح لا يُقفل إلا بالحقيقة، وعدالة متأخرة لم يعد مقبولاً أن تتأخر أكثر.