التواطؤ الإيجابي بين لبنان وإسرائيل لنزع سلاح الحزب الإيراني

شارل جبّور
هناك مصلحة بالتواطؤ الإيجابي بين لبنان وإسرائيل من أجل إنهاء الظروف التي تُبقي الحرب قائمة بين فصيل إيراني يستوطن الأرض اللبنانية ويستخدمها، خلافًا لإرادة الدولة، منصةً لاستهداف إسرائيل، وبين ردّ إسرائيل على هذا الفصيل. هناك مصلحة مشتركة بين لبنان الدولة وإسرائيل، وعلى الطرفين أن يعملا بذكاء كبير للوصول إلى الهدف المطلوب الذي يخدم لبنان وإسرائيل معًا.
فعلى العقل الذي يدير التفاوض في لبنان أن يدرك تمامًا أن أي انسحاب إسرائيلي من دون نزع سلاح “حزب الله” وتفكيك تنظيمه العسكري والأمني يعني أن لبنان سيبقى منصةً إيرانية. ولا يجب على العقل التفاوضي أن يكون طوباويًا، لأن كل الوقائع تؤكد أن الدولة اللبنانية التي لا تريد نزع السلاح الإيراني الآن، رغم كبوته وخسارته وهزيمته والحصار المطبق عليه، لن تتمكن من إزالته بعد خروج إسرائيل.
وبالتالي، من مصلحة الدولة اللبنانية أن تبقى إسرائيل في لبنان من أجل أن تستخدم الورقة الإسرائيلية كورقة قوة لنزع سلاح الحزب الإيراني. فما لم يُنزع سلاح الحزب الإيراني ويُفكَّك تنظيمه العسكري والأمني، لا دولة في لبنان، وستبقى الدولة مشلولة ومعطلة وشكلية وصورية.
وعلى العقل التفاوضي اللبناني أن يتعامل مع الوجود الإسرائيلي في لبنان كورقة قوة لإنهاء الوضعية الإيرانية العسكرية والأمنية في لبنان، لأن من يهدد الدولة ودورها ويشل عملها هو الحزب الإيراني، وليس إسرائيل.
وعلى إسرائيل، في المقابل، أن تتعامل مع لبنان أيضًا على أساس أن وجودها في لبنان يشكّل ورقة قوة لها، من أجل أن يكون انسحابها مقدمةً لبسط الدولة سلطتها وسيطرتها، فتكون قد حققت أمنها للمرة الأولى منذ بدء التفكك وانهيار الدولة اللبنانية في منتصف الستينيات من القرن الماضي.
ومن مصلحة إسرائيل أن تبسط الدولة اللبنانية سيطرتها وأن تمنع استمرار لبنان منصةً، لأن ذلك يؤمّن أمنها وأمن حدودها. وإلا، سيبقى الصراع قائمًا وسيبقى أمنها مهددًا، وبالتالي من مصلحتها إنهاء هذا الصراع. ومن أجل إنهاء هذا الصراع، عليها أن تتواطأ مع الدولة اللبنانية على أن يكون انسحابها ورقةً لنزع السلاح.
المشكلة، طبعًا، ليست في إسرائيل. إسرائيل انسحبت في العام 2000، وانسحبت في العام 2006، وهي على استعداد للانسحاب الآن إذا تم نزع سلاح الحزب الإيراني، وهي تشترط هذه المرة أن يكون الانسحاب مرتبطًا بنزع هذا السلاح من كل لبنان.
المشكلة هي في العقل التفاوضي اللبناني، وعليه أن يعتبر أن الوجود الإسرائيلي في لبنان ورقة رابحة بالنسبة إليه. لأن المشكلة في عدم ممارسة الدولة لدورها، وفي إبقاء لبنان محاصرًا ماليًا واقتصاديًا، وفي بقاء الدولة شكليةً وليس فعلية، هي وجود سلاح خارجها.
وبالتالي، عليها أن تتعامل مع الوجود الإسرائيلي كورقة قوة من أجل تخيير الحزب الإيراني، مع كل إشراقة شمس، بين أن يسلّم سلاحه ويحلّ تنظيمه العسكري والأمني، أو أن تستمر الحرب ويستمر معها الموت والتهجير والدمار والتوسُّع الإسرائيلي.
والخطورة القصوى هي إذا صدّقت الدولة نفسها بأنها هي من سينزع السلاح إذا انسحبت إسرائيل. فإذا كان هناك في العقل التفاوضي من يفكر بهذا المنحى، فهذا يعني إما أنه يفتقد إلى العقل السياسي، لأنه لا يوجد أفضل من اللحظة الحالية لنزع السلاح بالقوة، وإما أنه يتواطأ مع الحزب الإيراني من أجل إبقاء سلاحه في لبنان.
ولا يمكن تفسير، بأي شكل من الأشكال، أن العقل التفاوضي يريد أن تنسحب إسرائيل من أجل نزع السلاح. فهذا يعني أنه يتواطأ مع الحزب الإيراني من أجل بقاء سلاحه، بينما المطلوب هو التواطؤ مع إسرائيل من أجل نزع سلاح الحزب الإيراني، تمهيدًا لقيام دولة فعلية في لبنان، وإنهاء لبنان منصةً، وتأمين السلام والأمن على الحدود بين لبنان وإسرائيل.
لو أحسن الرئيس فؤاد السنيورة التواطؤ مع إسرائيل عام 2006، لكان وفّر على لبنان عشرين عامًا من الحروب والموت والدمار والخراب، وعلى الرئيس جوزاف عون اليوم أن يُحسن هذا التواطؤ من أجل إنهاء الحرب بين لبنان وإسرائيل بما يحقّق سيادة لبنان وأمن إسرائيل، والتاريخ لن يرحم إذا تم تفويت هذه الفرصة التاريخية.



