
روما على وقع التفجيرات… لبنان يفاوض تحت الضغط
آب 3, 2026
4 آب عند السادسة وسبع دقائق… العدالة التي لم تصل
آب 3, 2026شارل جبّور
في موقف تاريخي يُحسب له، أعلن الأمين العام السابق لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان، الراحل محسن إبراهيم، في آب 2005، أن اليسار والحركة الوطنية “ذهبا بعيدًا في تحميل لبنان الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل طاقة وعدالة وإنصافًا”، مضيفًا أن استسهال ركوب سفينة الحرب الأهلية، تحت وهم اختصار الطريق إلى التغيير، كان “خطأً جسيمًا”. لقد كانت تلك مراجعة شجاعة ونادرة في الحياة السياسية اللبنانية.
وإذا كان هذا الاعتراف قد تناول التجربة الفلسطينية، فإنه ينسحب بالقدر نفسه على المرحلة التي خضع فيها لبنان للمشروع الأسدي، كما ينطبق اليوم على المشروع الإيراني الذي حمّل اللبنانيين، طوال عقود، أعباء صراع لا يشبههم، ولا يخدم دولتهم، ولا يعبر عن إرادتهم الوطنية.
لكن يبقى السؤال الأكبر: من يعتذر للمسيحيين، ولسائر اللبنانيين، الذين حذروا منذ البداية من جر لبنان إلى حروب الآخرين، وتمسكوا باتفاق الهدنة، ودعوا إلى تحييد لبنان، ورفضوا تحويله إلى منصة لحروب إقليمية؟ لقد سُخر منهم يومها، فيما أثبتت الوقائع أنهم كانوا يدافعون عن الدولة وعن حق اللبنانيين في العيش بأمن واستقرار.
من يعتذر لعشرات آلاف الضحايا، وللمهجرين، وللذين خسروا بيوتهم وقراهم وأرزاقهم، ولأجيال كاملة دفعت ثمن مشاريع لم تخترها؟ ومن يعتذر عن ستة عقود من الحروب والانهيارات والهجرة وتدمير الدولة؟
والسؤال الثاني لا يقل أهمية: من يُلزم الفريق المرتبط بالمشروع الإيراني بإنهاء مشروعه العسكري؟ فهذا المشروع تلقى ضربات قاسية، وتراجعت قدراته، وتبدلت موازين القوى من حوله، ومع ذلك لا يزال يصر على إبقاء لبنان رهينة خياراته، فيما يدفع اللبنانيون وحدهم الثمن. ألم يحن الوقت لتخييره بين تسليم سلاحه، أو نزعه بالقوة، أو تركه يتحمل وحده مسؤولية تمسكه بسلاحه، بعدما تنصلت الدولة بوضوح من أي مسؤولية عن مشروعه العسكري؟
أما السؤال الثالث، فهو سؤال للحاضر والمستقبل: كيف نمنع تكرار هذه المأساة؟
وكيف نضمن ألا تتمكن جماعة واحدة، مرة جديدة، من فرض مشروعها على جميع اللبنانيين؟
لقد أثبتت التجربة، على مدى ستة عقود، أن الدولة المركزية، بصيغتها الحالية، لم تفشل فقط في حماية التعددية اللبنانية، بل تحولت، في محطات كثيرة، إلى أداة لضرب هذه التعددية والسيطرة على الدولة عندما تقع تحت نفوذ فريق واحد. ومن هنا، فإن إعادة النظر في النظام السياسي أصبحت ضرورة وطنية حفاظًا على التعددية من محاولات الإلغاء المتعمدة.
إن لبنان بلد متعدد في هوياته الطائفية والسياسية وخياراته الاستراتيجية. ففي الوقت الذي يريد فيه قسم من اللبنانيين اليوم الذهاب إلى السلام والانفتاح، يتمسك قسم آخر بخيار الصراع المفتوح. ولا يمكن استمرار هذا التناقض ضمن نظام يسمح لفريق واحد بفرض خياره على الجميع. فمن يريد السلام يذهب إلى السلام، ومن يريد استمرار الحرب فليواصل مشروعه الحربي، لكن شرط ألا يحمّل أي جماعة مسؤولية خيار جماعة أخرى.
وهذا ما يستدعي الانتقال إلى نظام الأقاليم بوصفه إطارًا يعكس التعددية اللبنانية ويحميها، بحيث تتمتع الأقاليم بصلاحيات سياسية وتشريعية وعسكرية وأمنية وإدارية واسعة في إدارة شؤونها وخياراتها، فلا تعود أي جماعة قادرة على تحميل الجماعات الأخرى أعباء مشاريعها السياسية أو العسكرية. فالمطلوب هو قيام نظام يحمي التعدد والتنوع، لا نظام يسمح بالهيمنة باسم المركزية، ولا سيما أن هذا النظام حمّل اللبنانيين، وتحديدًا المسيحيين، ستين عامًا من تبعات خيارات رفضوها منذ اللحظة الأولى، وهو ما يثبت أنهم كانوا على صواب في تحذيراتهم ومواقفهم.
لقد أثبتت العقود الستة الماضية أن الانقسام بين اللبنانيين هو انقسام عمودي وكبير، ولا يعالج بالتسويات المؤقتة. وتكفي مراجعة هذه العقود لتبيان أن الانقسام كان دائمًا حول خيارات استراتيجية كبرى: من الانحياز للعمل المسلح الفلسطيني في ستينات وسبعينيات القرن الماضي، إلى اعتبار الوجود الأسدي في لبنان وجودًا أخويًا وضروريًا، وصولًا إلى التمسك بمشروع إيراني توسعي.
المشكلة لم تكن في التعددية، بل في محاولة إخضاعها بالقوة عن طريق دولة مركزية فاشلة. وإذا كان لا بد من استخلاص درس من كل ما عاشه اللبنانيون، فهو أن الاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يصبح أي مشروع سياسي أو عسكري محصورًا بمن يختاره، لا مفروضًا على وطن بأكمله.
لقد أثبتت سياسة الوصل أنها حمّلت لبنان واللبنانيين ما يفوق قدرتهم على الاحتمال، وحولت الدولة إلى أداة بيد قوى الأمر الواقع للسيطرة على البلاد. أما سياسة الفصل، من خلال نظام الأقاليم، فتعني أن يتحمل كل إقليم مسؤولية خياراته، وألا يُفرض مشروع جماعة على جميع اللبنانيين.




