تقاعس الدولة وتغطية الحزب في لبنان

الدولة تغطي تقاعسها… وتغطي الحزب أيضًا

يوليو 31, 2026
أنفاق عسكرية غير شرعية في الجنوب

ليست تفجيرات في الجنوب… بل تفجير لأنفاق عسكرية

أغسطس 1, 2026
تقاعس الدولة وتغطية الحزب في لبنان

الدولة تغطي تقاعسها… وتغطي الحزب أيضًا

يوليو 31, 2026
أنفاق عسكرية غير شرعية في الجنوب

ليست تفجيرات في الجنوب… بل تفجير لأنفاق عسكرية

أغسطس 1, 2026

حين يصبح بيان الرئيسين عون وسلام نسخة عن بيان بري

شارل جبّور

من قرأ البيانين الصادرين عن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة عقب التفجيرات الإسرائيلية التي استهدفت أنفاق الحزب الإيراني في الشقيف ومناطق أخرى من الجنوب، لا بد أنه لاحظ أنهما لا يختلفان، شكلًا ومضمونًا، عن البيان الذي أصدره رئيس مجلس النواب نبيه بري. والمشكلة هنا ليست في إدانة التفجيرات بحد ذاتها، فكل اعتداء على الأراضي اللبنانية يستوجب الإدانة، بل في تغييب السبب الحقيقي الذي أوصل لبنان إلى هذا الواقع، وفي العودة إلى الخطاب نفسه الذي حكم الحياة السياسية اللبنانية منذ الاحتلال الأسدي للبنان.

الأخطر أن هذا التطابق في المواقف يوحي بأن الرؤساء الثلاثة أصبحوا في مركب سياسي واحد، وأن الرئيس بري نجح في استقطاب موقفي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى موقفه، بدل أن يحصل العكس. كان اللبنانيون ينتظرون من العهد الجديد أن يؤسس لخطاب مختلف، وأن يكون واضحًا في تحديد المسؤوليات، فإذا به يعود إلى اللغة نفسها التي سادت منذ التسعينيات، والتي كانت تتجنب تسمية المشكلة الحقيقية في لبنان.

المشكلة ليست في أن إسرائيل فجّرت أنفاقًا، وهذا في حدّ ذاته هروب من قول الحقيقة. فالتفجير مدان بلا شك، لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: لماذا بقيت هذه الأنفاق أصلًا؟
ولماذا ما زال الحزب الإيراني يحتفظ بترسانته العسكرية، رغم الدستور المعلّق تنفيذه سياديًا منذ عام 1991، ورغم القرارات الحكومية التي نصّت على حصر السلاح بيد الدولة وحل تنظيمه العسكري والأمني؟ ولماذا ما زالت الدولة عاجزة عن تنفيذ ما قرّرته بنفسها؟

إن إسرائيل تستهدف هذه المواقع لأنها لا تثق بأن الدولة اللبنانية أصبحت صاحبة القرار الأمني والعسكري، ولديها تجربة حديثة مع بيانات الدولة التي أكدت خلو جنوب الليطاني من السلاح، ولأنها تعتبر أن الحزب الإيراني لا يزال يحتفظ ببنيته العسكرية، وأن أي منشأة قائمة يمكن أن تعود إلى خدمته في أي لحظة. إن استمرار السلاح خارج سلطة الدولة هو الذي يبقي الجنوب ساحة مفتوحة للمواجهة.

كان الأجدى برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أن يقولا بوضوح إن المسؤول الأول عما يجري هو الحزب الإيراني، لأنه يصر على الاحتفاظ بسلاحه، ويتمسّك بمشروعه العسكري، ويرفض تسليم ترسانته للدولة اللبنانية. فمن دون هذا السلاح، ومن دون هذه الأنفاق، لما وجد المبرر لاستمرار هذه العمليات.

ثم إن الحزب نفسه أمضى سنوات يقول إن سلاحه هو قوة الردع، وإنه الضمانة الوحيدة في مواجهة إسرائيل. أما اليوم، فقد أصبح أقصى ما يفعله إصدار بيانات تنديد واستنكار، تمامًا كما يفعل المسؤولون الرسميون. فإذا كان هذا السلاح لم يعد قادرًا على الردع، ولم يعد يمنع الاستهداف، بل بات يجلب الدمار إلى بيئته وإلى لبنان، فما مبرر الإصرار على الاحتفاظ به؟

لقد منح اللبنانيون فرصة حقيقية للمرحلة الجديدة عندما صدرت القرارات الحكومية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، وحل التنظيم العسكري والأمني للحزب، والذهاب إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. ورغم بطء التنفيذ، تعامل كثيرون مع تلك القرارات بوصفها بداية مسار مختلف. لكن ما يثير القلق اليوم ليس فقط عدم تنفيذها، بل أيضًا التراجع في الخطاب السياسي، بحيث عاد الموقف الرسمي إلى اللغة نفسها التي اعتادها اللبنانيون منذ مرحلة الوصاية السورية.

إن الدولة لا تستطيع أن تطالب المجتمع الدولي بحمايتها، فيما تتجنب في الوقت نفسه تسمية الجهة التي تمنع قيامها كدولة كاملة السيادة. فالمشكلة الأساسية ليست مع إسرائيل، بل مع استمرار وجود تنظيم عسكري إيراني يفرض قراره على الدولة، ويحول دون احتكارها للسلاح والقرار الأمني، ويستجلب الحروب. فلولا الحزب الإيراني لما دخلت إسرائيل إلى لبنان.

إن المسؤولية عما يجري في الجنوب تقع على طرفين لا ثالث لهما:

أولًا، الحزب الإيراني الذي يرفض إنهاء مشروعه العسكري، وتسليم سلاحه، وحل تنظيمه العسكري والأمني. ولو فعل ذلك لما بقيت هذه المنشآت هدفًا لأي عمليات عسكرية، بل لكانت إسرائيل قد خرجت من لبنان.

ثانيًا، الدولة اللبنانية التي تقاعست عن تنفيذ قراراتها، وعن فرض سلطتها الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية، وعادت إلى الخطاب الخشبي الذي أثبت فشله طوال العقود الماضية. فلو نفذت الدولة قراراتها، لكانت إسرائيل اليوم خارج لبنان.

كان اللبنانيون يأملون أن يشكل العهد الجديد قطيعة مع تلك المرحلة، وأن تعتمد الدولة لغة الوضوح لا لغة المواربة، وأن تسمي الأمور بأسمائها مهما كانت صعبة. فإذا كانت، لأسباب مجهولة، ترفض نزع السلاح الإيراني بالقوة، فالمطلوب منها، بالحد الأدنى، أن تتحلى بالوضوح السياسي، وأن تقول بصراحة تامة إن المسؤولية الأولى عن هذه التفجيرات تقع على الحزب الإيراني، وأن تحمله المسؤولية أمام بيئته وناسه. أما العودة إلى البيانات التقليدية التي تساوي بين النتائج وتتجاهل الأسباب، فلن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة، وإبقاء الجنوب ساحة مفتوحة لحرب لن تتوقف ما دام السلاح الإيراني قائمًا، وما دامت الدولة تتردد في ممارسة مسؤولياتها كاملة.

إن أكثر المستفيدين اليوم من بياني رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة هو رئيس مجلس النواب، الذي يستطيع أن يتباهى بأنه نجح في جرّهما إلى موقفه وتموضعه السياسي. لكن خطورة هذه المواقف أنها أعادت تغطية الحزب الإيراني وتبني خطابه وأدبياته، ومنحته ما يحتاج إليه من وقت إضافي، فيما لن يؤدي شراء الوقت إلا إلى المزيد من الحروب والدمار والتفجيرات وسقوط الضحايا. وتبقى المسؤولية مشتركة بين الدولة المتقاعسة والأداة الإيرانية في لبنان.