لبنان بين واشنطن وروما واختبار الانسحاب الإسرائيلي وتوسيع المناطق التجريبية

بين واشنطن وروما… لبنان يختبر الوعود الأميركية

يوليو 28, 2026
الحزب الإيراني وسياسة شحّاد ومشارِط

سياسة “شحّاد ومشارِط” يجب أن تنتهي

يوليو 28, 2026
لبنان بين واشنطن وروما واختبار الانسحاب الإسرائيلي وتوسيع المناطق التجريبية

بين واشنطن وروما… لبنان يختبر الوعود الأميركية

يوليو 28, 2026
الحزب الإيراني وسياسة شحّاد ومشارِط

سياسة “شحّاد ومشارِط” يجب أن تنتهي

يوليو 28, 2026

هل يكفي أن الدولة لم تعد تفاوض باسم الحزب الإيراني؟

شارل جبّور

كان الحزب الإيراني، طوال عقود، يعتبر أن السلطة اللبنانية جزءًا من أدواته السياسية، وأنها تتولى التفاوض نيابة عنه، وتوفر له الغطاء الذي يحتاج إليه في الداخل والخارج. وحتى عندما لم تكن السلطة السياسية خاضعة له بالكامل بعد عام 2005، فإنها، لأسباب أيديولوجية مرتبطة بمفاهيم الصراع مع إسرائيل وإرث سياسي وفكري قومي وعربي قديم، كانت تمنحه عمليًا ما يريد. تختلف معه في الداخل، لكنها تلتقي معه في مواجهة إسرائيل، فيحتفظ بسلاحه ويتغلب عليها في الداخل. فيستخدم السلطة وعلاقاتها ودورها لإخراج إسرائيل، مقابل الإبقاء على سلاحه وتنظيمه العسكري والأمني، فيبقى لبنان ساحةً متقدمة للمشروع الإيراني ومستجلبةً للحروب والنزاعات. وهكذا أصبحت القاعدة أن الدولة وجدت لتفاوض عنه، لا لتفرض سيادتها عليه.

أما اليوم، فالمشهد مختلف. أكثر ما يزعج الحزب الإيراني أن الدولة لم تعد تُدار بـ”الريموت كونترول”، ولم تعد تتفاوض باسمه أو تنفذ أجندته، بل باتت تتحرك وفق ما تمليه المصلحة اللبنانية العليا. ولذلك، لا يمر يوم من دون أن يوجه إليها الاتهامات والتخوين، لأنها لم تعد تؤدي الدور الذي اعتاد أن تؤديه لمصلحته.

لكن هذا التحول، على أهميته، غير كافٍ، ويبقى ناقصًا ما لم يواكبه وضوح سياسي وحزم في القرار. فلا يكفي أن تتوقف الدولة عن التفاوض باسم الحزب، بل عليها أن تخاطبه بلغة لا تحتمل الالتباس.

أولاً، الدولة مطالبة بأن تقول للحزب الإيراني إن أمامه خيارين: إما إعلان انتهاء مشروعه المسلح، وإما أن يتحمل وحده كلفة الحرب وتداعياتها. لن نتفاوض عنك ولا باسمك. وإذا كنت قادرًا على مواصلة الحرب، فتفضّل، فلا أحد يقف في طريقك. أما إذا كنت عاجزًا عن تحقيق ما تدعيه، وهو ما أثبتته الوقائع، وكانت مطالبتك بوقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل أكبر دليل على هذا العجز، فلا يبقى أمامك سوى تسليم سلاحك للدولة من دون أي قيد أو شرط. ولن تكون الدولة بعد اليوم غطاءً لأي مشروع عسكري خارج سلطتها.

ثانياً، على الدولة أن تضع مهلة زمنية واضحة ونهائية لتسليم السلاح الإيراني، على غرار ما فعله الرئيس العراقي علي الزيدي، وأن تعلن أن انتهاء هذه المهلة يعني الانتقال إلى تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة بكل الوسائل التي يكفلها القانون والدستور، بعدما يكون القرار السياسي قد اتخذ بصورة نهائية.

ثالثاً، إذا كانت الدولة لا تريد نزع سلاح الحزب الإيراني بالقوة، فعليها، في المقابل، ألا تبقى شاهد زور على استمرار تنظيم عسكري خارج مؤسساتها يقرر الحرب والسلم ويعيد تسليح نفسه، فيما تتحمل الدولة وحدها نتائج أفعاله. وعليها، بكل بساطة، أن تترك المواجهة بينه وبين إسرائيل، وألا تدخل على الخط إلا عندما يعلن استسلامه وانتهاء مشروعه المسلح.

رابعاً، يجب تسمية المشكلة باسمها الحقيقي. فالمشكلة ليست إسرائيل، بل استمرار وجود تنظيم عسكري مرتبط بمشروع إيراني خارج سلطة الدولة، وهو المسؤول عن إدخال إسرائيل إلى لبنان. فلا يجوز التعامل مع إسرائيل وكأنها أصل المشكلة، فيما وجودها العسكري داخل لبنان هو نتيجة الحرب التي شنها الحزب الإيراني ضدها وتهديده لأمنها. أما أصل المشكلة، فهو الذراع الإيرانية التي تمنع قيام دولة فعلية في لبنان.

لا يمكن الخروج من المراوحة، ولا الانتقال من التقدم البطيء إلى استعادة الدولة، إلا من خلال الوضوح السياسي. فالدولة لم تعد تعمل لدى الحزب الإيراني ولا في خدمته، وطالما أنه يخاطبها بلغة التخوين، وما زال يتصرّف بعقلية الفرض والوصاية والقوة، فليتحمل وحده تبعات مشروعه. أما الدولة، فعليها ألّا تغطيه، وألا تتفاوض باسمه، وأن تتركه يواجه نتائج خياراته، إلى أن يعلن استسلامه وانتهاء مشروعه المسلح. عندها فقط يصبح تدخل الدولة ممكنًا، لا قبل ذلك. بهذه المقاربة وحدها تنتقل الدولة من موقع الشريك الضمني إلى موقع الدولة صاحبة القرار والسيادة.