تغيّر الموقع ولم تتغيّر القناعة

شارل جبّور يكتب عن انتهاء مسؤوليته الحزبية وبدء مرحلة جديدة ناشرًا ورئيس تحرير Lebanese Politico
شارل جبّور

منذ يوم أمس، لم أعد رئيسًا لجهاز الإعلام في حزب “القوات اللبنانية”. انتهت مرحلة من أبرز المراحل في حياتي، امتدت نحو عشر سنوات، بكل ما حملته من مسؤوليات وتحديات وتجارب وعلاقات وذكريات، وبدأت مرحلة جديدة أطلّ فيها من موقع مختلف: ناشرًا ورئيس تحرير “Lebanese politico”، ومنبرًا أعبّر من خلاله عن آرائي ومواقفي وقراءتي للأحداث.

من أهم ما حملته هذه المرحلة تواصلي اليومي مع القائد الذي كان السبب في انخراطي في صفوف “القوات اللبنانية”. فمنذ اللحظة الأولى، وضعت لنفسي هدفًا بأن أقترب من الدوائر القريبة منه، وهذا ما حصل منذ تسلّمي مسؤولياتي الإعلامية. وقد زادتني هذه التجربة غنىً فكريًا وعمقًا سياسيًا، وأخرج منها اليوم كما دخلت إليها: مؤمنًا بالخط نفسه الذي انتهجه الدكتور سمير جعجع.

عندما دخلت إلى موقع المسؤولية في “القوات اللبنانية”، لم أدخل حاملًا خطًا جديدًا أو قناعات مستجدة. دخلت كما أنا، بالخط الذي اخترته والتزمت به منذ العام 1986، وها أنا أخرج من هذا الموقع كما دخلته: بالقناعات نفسها، والالتزام نفسه، والنهج نفسه.

لم يكن الموقع يومًا هو الذي يصنع موقفي، بل كان الموقف نفسه موجودًا قبل الموقع. ولهذا، فإن انتهاء المسؤولية لا يعني بالنسبة إليّ تغييرًا في الموقف، ولا انتهاءً للالتزام، ولا تبدّلًا في النهج، ولا يستدعي إعادة تعريف للذات.
الفارق الوحيد أن تعبيري السياسي لم يعد مرتبطًا بمسؤولية حزبية. وقد حاولت جاهدًا، طوال فترة مسؤوليتي، أن أوفّق بين موقفي الشخصي وبين موقعي، ولم أنجح في كثير من المحطات، على الرغم من أن سقف “القوات اللبنانية” الوطني والسياسي مرتفع جدًا.

وما رأيته خلال الساعات الماضية من مشاعر ومحبة ووفاء من رفاق وزملاء وأصدقاء وأحباء ومخلصين، كان بالنسبة إليّ أكثر من مجرد عاطفة رافقت انتهاء مهمة. كان تأكيدًا أن الالتزام والوضوح والصدق، مهما كانت كلفتها، تبقى هي الأساس، وهي الخميرة التي ينطلق منها كل عمل جدي، وهذا ما كنت عليه وسأبقى.

لا أنكر أنني أعبر مرحلة من العاطفة السياسية بسبب الانتقال من موقع إلى موقع، وبسبب ما غمرني من عاطفة صادقة ومحبة لا توصف وتقدير كبير. وهذا كله يزيدني قناعة بضرورة أن أبقى كما أنا، مع فارق وحيد: أنني لم أعد مضطرًا إلى تنقية عباراتي وصياغاتي، وهو ما كان يفرضه الموقع السابق، وكان في الوقت نفسه ضروريًا وطبيعيًا بحكم المسؤولية.

صحيح أن الموقع في حزب كبير مثل “القوات اللبنانية”، ومع قائد تاريخي مثل الحكيم، يمنح صاحبه الكثير: حضورًا، وتأثيرًا، ونفوذًا، وعلاقات، ومساحة واسعة للعمل. لكنه، في المقابل، يفرض سقفًا واضحًا. ومن الطبيعي أن يلتزم صاحب أي مسؤولية حزبية بخط الحزب وسقفه، لأن المسؤولية لا تنفصل عن الجهة التي يمثلها.

وأنا من المقتنعين تمامًا بضرورة التغيير وأهميته، لأن الشخص هو الأسلوب، ولأن تبدّل أساليب العمل مسألة ضرورية، فضلًا عن الزخم الذي يمنحه التغيير. وكل من يعرفني عن قرب يعرف أنني سعيت إلى هذا التغيير منذ سنوات.
ومع انتهاء مسؤوليتي الحزبية، تبدأ مساحة مختلفة. مساحة أتحمل فيها وحدي مسؤولية كل كلمة أقولها، وكل موقف أتخذه، وكل تحليل أقدمه. لم أعد أتكلم باسم “القوات اللبنانية”، ولا باسم أي جهة سياسية، ولا أحمّل أحدًا مسؤولية ما يصدر عني.

من الآن فصاعدًا، ما يصدر عني هو أنا. هذه ليست قطيعة مع الماضي، بل على العكس تمامًا. العشر سنوات التي أمضيتها في موقع المسؤولية لم تنتهِ بانتهاء الموقع. أخذت منها تجربة غنية، وتراكمًا كبيرًا، وخبرة واسعة، وصداقات وعلاقات، وفهمًا أعمق للعمل السياسي والإعلامي، والأهم تجربة يومية مع قائد تاريخي يملك تراكمًا طويلًا من الخبرة القيادية والحزبية والسياسية.

وعندما أعود اليوم إلى النقطة التي كنت فيها قبل دخولي إلى هذا الموقع، لا أعود إليها بالشخص نفسه الذي كان يومها. أعود إليها وأنا أحمل معي عشر سنوات كاملة من التجربة.
ولهذا، فإن “Lebanese politico” ليست بالنسبة إليّ مجرد موقع جديد. إنها المساحة التي أستطيع من خلالها أن أكون نفسي بالكامل، وأن أكتب كما أرى، وأن أحلل كما أقتنع، وأن أضع النقاط على الحروف من دون أن يُطلب من أحد أن يتحمل مسؤولية ما أقول.

بدأت علاقتي بـ”القوات اللبنانية” وأنا في الخامسة عشرة من عمري. ومنذ ذلك الوقت، تشكّل جزء أساسي من مساري، ومن رؤيتي، ومن القيم التي اخترت أن أعيش على أساسها. أنا في الخط نفسه. الفارق الوحيد أنني كنت أمس في موقع، واليوم لم أعد في موقع. أما القناعة، فلم ولن تتغيّر. “القوات اللبنانية” ثابتة في خطها ونهجها، وأنا ثابت في القناعات التي اخترتها والتزمت بها منذ العام 1986. الفارق الوحيد أنني من الآن فصاعدًا أعبِّر عنها باسمي الشخصي، لا باسم منصب أو مسؤولية حزبية.