من البرلمان إلى زوطر… مساءلة الحكومة والجنوب أمام شروط جديدة

الموجز الإعلامي اليومي 16 أيلول 2026
توزع المشهد اللبناني اليوم بين مساءلة الحكومة في مجلس النواب، والجنوب الذي عاد إلى صدارة الحركة الدبلوماسية مع زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى زوطر الغربية وقعقعية الجسر، بالتزامن مع لقاء لبناني–إسرائيلي على مستوى السفراء في واشنطن. وفي باريس، يصل الرئيس جوزاف عون عشية الاجتماع التحضيري لدعم الجيش، بينما دخل تحقيق انفجار مرفأ بيروت مرحلة قضائية متقدمة بعد تسليم النيابة العامة مطالعتها إلى المحقق العدلي طارق البيطار. هذه الملفات تبدو منفصلة، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: إلى أي مدى تستطيع الدولة تحويل قراراتها السياسية إلى تنفيذ مؤسساتي على الأرض؟
مساءلة الحكومة تتحول إلى مواجهة سياسية
لم تؤدِّ الجلسة النيابية في يومها الأول إلى تبدل واضح في موازين القوى. وبحسب أكثر من تغطية في الملف، طغت السجالات السياسية على الجانب الرقابي، ولا تبدو هناك أكثرية جاهزة لإسقاط الحكومة حتى في حال طرح الثقة. كما أقر جبران باسيل بأن إسقاطها غير متاح حالياً وفق التوازنات القائمة.
ركزت المداخلات على ملفات عدة، لكن الجنوب وحصرية السلاح والتفاوض تصدرت النقاش. واعتبر نواف سلام أن لا استقرار مستداماً من دون بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها، فيما وصف التفاوض بأنه وسيلة لاستعادة الحقوق لا تنازلاً عنها.
في المقابل، اعترض نواب من الحزب الإيراني على سياسة الحكومة واتفاق الإطار، بينما أعلن باسيل تأييده مبدأ حصرية السلاح والتفاوض مع إسرائيل، لكنه طالب بتعديل المسار ورفض ربط نزع السلاح بالضغط الخارجي.
حصرية السلاح في قلب السجال
تحولت مساءلة الحكومة عملياً إلى منصة لخلاف أوسع حول من يملك القرار الأمني والعسكري وكيف يجب تنفيذ قرارات الدولة.
النائب جورج عدوان، متحدثاً باسم تكتل «الجمهورية القوية»، دعم توجه الحكومة في ملف السلاح والتفاوض، فيما دعا سامي الجميل إلى خطوات أسرع لبناء الدولة وتنفيذ قراراتها. وفي الجهة المقابلة، تمسك نواب من كتلة «الوفاء للمقاومة» باستمرار خيار السلاح ورفضوا تحميله مسؤولية الأزمة منفرداً.
وبذلك لم تنتج الجلسة توافقاً جديداً، لكنها أظهرت بوضوح أن ملف السلاح لم يعد بنداً جانبياً في النقاش السياسي، بل أصبح أحد المعايير الرئيسية التي ستُقاس على أساسها سياسات الحكومة في المرحلة المقبلة.
الحكومة تعرض حصيلة الحرب والإصلاح
قدم سلام أمام النواب عرضاً عن أداء حكومته في ظل الحرب والضغط الاقتصادي.
وبحسب الأرقام التي نقلها التقرير، قدّر البنك الدولي الأضرار المباشرة للحرب التي بدأت في 2 آذار بما بين 3 و4 مليارات دولار، فيما تتراوح الكلفة الاقتصادية الأوسع بين 4 و5 مليارات دولار على الأقل. كما تحدث سلام عن إعادة وصل الاقتصاد اللبناني بعمقه العربي، ولا سيما السعودية ودول الخليج.
وفي الجانب المالي، أشار إلى تعديل قانون إصلاح المصارف وقانون السرية المصرفية، ودعا مجلس النواب إلى بدء مناقشة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.
هذه الملفات ستحدد لاحقاً ما إذا كانت مساءلة الحكومة ستبقى سجالاً سياسياً أو تتحول إلى رقابة على برامج قابلة للقياس.
الثقة بالحكومة لا تبدو مهددة
رغم ارتفاع سقف الانتقادات، لا تظهر المعطيات الواردة في التقرير اتجاهاً جدياً لإسقاط الحكومة.
وتقول «النهار» إن الغالبية التي منحت الحكومة ثقتها لم تتبدل، فيما ترى مصادر أخرى أن أي محاولة لطرح الثقة قد تعيد تجميع أكثرية حولها بدلاً من إسقاطها.
أما السيناريوهات المتعلقة بتعديل حكومي أو حجب الثقة عن وزراء محددين، فتبقى ضمن الاحتمالات السياسية ولم تتحول إلى مسار محسوم. وتصف مصادر في «الجمهورية» المناقشة بأنها ضغط سياسي أكثر منها مقدمة لتغيير حكومي وشيك.
عيسى في زوطر… الرسالة تتجاوز الزيارة
بعيداً من البرلمان، زار السفير الأميركي ميشال عيسى زوطر الغربية وقعقعية الجسر.
ورافقه وفد من مجلس الإنماء والإعمار، كما عاين محطة اتصالات قرب كنيسة البشارة. وتقرأ أكثر من صحيفة الزيارة باعتبارها مرتبطة بمتابعة تجربة المناطق التجريبية ومستقبل إعادة الإعمار.
ونقلت مصادر واكبت الزيارة عن عيسى ربطه الانتقال إلى منطقة تجريبية جديدة بأداء الجيش ومعالجة ملف السلاح، مع اعتبار أن الإعمار والإنماء يحتاجان إلى بيئة أمنية مستقرة.
هذا الربط يمثل موقفاً أميركياً منقولاً عبر المصادر اللبنانية، وليس قراراً لبنانياً ملزماً بحد ذاته.
إعادة الإعمار تدخل معادلة السلاح والانسحاب
من أبرز ما ظهر في زيارة عيسى محاولة جمع ثلاثة ملفات في معادلة واحدة:
معالجة السلاح خارج الدولة، توسيع انتشار الجيش، ثم الانتقال إلى إعادة الإعمار والمناطق التجريبية.
لكن الجانب اللبناني يواجه في المقابل سؤالاً مختلفاً: هل تستطيع الدولة تنفيذ هذه الخطوات بينما لا تزال إسرائيل تحتفظ بأراضٍ وتواصل عملياتها؟
لهذا يبقى التنفيذ المتبادل القضية الأساسية. فالاستقرار يحتاج إلى تقدم لبناني في بسط سلطة الدولة، لكنه يحتاج أيضاً إلى انسحاب إسرائيلي قابل للقياس ووقف الاعتداءات.
واشنطن تختبر توسيع المناطق التجريبية
يتزامن التحرك الميداني للسفير الأميركي مع لقاء في وزارة الخارجية الأميركية بين سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض والسفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر.
وبحسب التقرير، يتركز البحث على تنفيذ اتفاق الإطار وإمكان الانتقال إلى منطقة تجريبية جديدة، في وقت تشير التغطيات إلى أن هذا الانتقال ليس سهلاً.
وتصف مصادر أميركية الاجتماع بأنه قناة تشاور محدودة السقف، هدفها إبقاء التواصل قائماً ونقل الرسائل بين بيروت وتل أبيب بعد تأجيل جولة روما.
إذن، الاجتماع لا يشكل جولة تفاوض كاملة جديدة.
وظيفته الأساسية هي منع تجمد المسار.
الدولة تتمسك بأن تفاوض باسم لبنان
أكد سلام في البرلمان أن الدولة وحدها يجب أن تفاوض باسم لبنان، وهي نقطة أثارت سجالاً مع نواب الحزب الإيراني.
وتكتسب هذه العبارة أهمية تتجاوز الخلاف النيابي.
فإذا أرادت بيروت أن يصبح قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات، فإن حصرية القرار تعني أيضاً حصرية التفاوض في القضايا السيادية.
ولا يمنع ذلك القوى السياسية من التعبير عن مواقفها، لكنه يميز بين الموقف السياسي وبين من يملك الصفة الرسمية للتفاوض باسم الجمهورية اللبنانية.
روما مؤجلة… وواشنطن تبقي القناة مفتوحة
تراجع مسار روما مؤقتاً إلى الشهر المقبل.
وتشير التغطيات إلى أن لقاء السفراء في واشنطن جاء بعد طلب لبناني بتأجيل الاجتماع على خلفية تطورات علي الطاهر، فيما تريد الإدارة الأميركية إبقاء قناة مباشرة قابلة للاستخدام عند الحاجة.
وهذا يعني أن الأشهر المقبلة قد تشهد أكثر من صيغة للتواصل:
لقاءات سفراء في واشنطن، جولة سياسية لاحقة في روما، وربما مساراً عسكرياً وتقنياً منفصلاً.
لكن تعدد الطاولات لا يضمن نتيجة.
المعيار سيبقى: هل يحصل انسحاب، وهل يتوسع انتشار الجيش، وهل يعود الأهالي؟
باريس غداً… دعم الجيش تحت الاختبار
تنتقل الأنظار غداً إلى باريس، حيث يعقد الاجتماع التحضيري لدعم الجيش والمؤسسات الأمنية.
ومن المقرر أن تسبق الاجتماع قمة تجمع عون وماكرون والملك عبدالله الثاني، فيما تشير المعلومات إلى مشاركة أكثر من 20 قائداً عسكرياً وممثلين عن مؤسسات دولية في إحدى الروايات الواردة في الملف.
لكن التوقعات يجب أن تبقى واقعية.
المصادر نفسها تقول إن الاجتماع تحضيري، ولا تتوقع صدور مساعدات مالية أو مادية كبيرة وفورية عنه. والهدف هو عرض احتياجات الجيش والاستماع إلى ما تستطيع الدول تقديمه قبل مؤتمر دعم أوسع لاحقاً.
دعم الجيش بين الحاجة والشروط
ينقل التقرير أيضاً قراءات أميركية تربط الدعم المستقبلي للجيش بقدرته على تعزيز سلطة الدولة وتحقيق تقدم في ملف السلاح.
لكن هذه المقاربة تفتح إشكالية عملية.
إذا كان الجيش هو المؤسسة المطلوبة لتوسيع سيطرة الدولة، فهو يحتاج إلى إمكانات أكبر حتى ينفذ تلك المهمة. أما جعل الدعم نتيجةً لا تسبق الإنجاز، فقد يخلق حلقة مغلقة: الدولة مطالبة بالتنفيذ، والمؤسسة المطلوبة للتنفيذ لا تحصل على كل ما تحتاج إليه قبل التنفيذ.
لهذا سيكون نجاح باريس مرتبطاً بمدى قدرته على تحويل الدعم السياسي إلى برنامج تدريجي لبناء القدرات.
ما بعد اليونيفيل بلا صيغة نهائية
يبقى مستقبل القوة الدولية أحد الملفات غير المحسومة.
وتشير مصادر في التقرير إلى أن فرنسا لم تنجح بعد في التوصل مع واشنطن إلى صيغة جديدة واضحة لمرحلة ما بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل» أواخر العام.
وهذا يعني أن لبنان يتحرك في سباق مع الوقت.
فالجيش سيُطلب منه تحمل مسؤوليات أكبر، لكن الترتيبات الدولية البديلة ليست جاهزة بعد.
ومن هنا تزداد أهمية اجتماع باريس حتى إذا لم ينتج مساعدات فورية: فهو يحدد على الأقل حجم المهمة التي يريد المجتمع الدولي من الجيش تحملها.
أمل والحزب الإيراني يدعوان إلى ضبط الخلاف
عشية استمرار الجلسة النيابية، شددت قيادتا حركة أمل والحزب الإيراني على إبقاء الخلافات السياسية ضمن الأطر الدستورية والمؤسساتية، واعتبرتا السلم الأهلي خطاً أحمر.
كما دعتا إلى تسريع إعادة إعمار الجنوب وتعويض المتضررين وعودة الأهالي.
وتقول معلومات التقرير إن الاجتماع ساهم أيضاً في احتواء تباينات ظهرت بعد زيارة عون إلى النبطية.
هذه المعطيات تشير إلى استمرار الخلافات داخل البيئة السياسية نفسها، لكن ضمن محاولة لمنعها من التحول إلى صدام داخلي.
المرفأ يدخل مرحلة الحسم القضائي
برز ملف انفجار مرفأ بيروت كأهم تطور قضائي في تقرير اليوم.
فقد سلّم المحامي العام التمييزي محمد صعب المحقق العدلي طارق البيطار مطالعة النيابة العامة التي تقع، وفق التقرير، في نحو 270 صفحة. ومن المتوقع أن يدرس البيطار المطالب قبل استكمال الإجراءات التي يراها ضرورية وإصدار قراره الاتهامي.
وتشير المعلومات إلى وجود أكثر من 70 مدعى عليهم تتفاوت المسؤوليات المنسوبة إليهم، مع إمكان منع المحاكمة عن أشخاص لا تتوافر بحقهم أدلة كافية.
وهذا يعني أن التحقيق اقترب من محطة مفصلية، لكنه لم يصل بعد إلى حكم قضائي نهائي.
النيابة تطلب اتهام ميشال عون بالإهمال
نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر قضائي أن النيابة العامة طلبت توجيه الاتهام إلى الرئيس السابق ميشال عون بجرم الإهمال في إطار تحقيق المرفأ.
هذه مطالبة اتهامية ضمن التحقيق، وليست حكماً بالإدانة.
وسيعود إلى المحقق العدلي تحديد موقفه من المدعى عليهم استناداً إلى الأدلة ومجمل الملف.
وينطبق المبدأ نفسه على بقية الأسماء الواردة في التحقيق: المسؤولية القضائية لا تصبح نهائية قبل صدور القرارات المختصة.
قانون العفو أمام اختبار دستوري
عاد قانون العفو أيضاً إلى الواجهة.
ويتناول التقرير طعناً أمام المجلس الدستوري يستند، بحسب مرجع دستوري نقلت عنه «الديار»، إلى احتمال وجود اختلاف بين النص الذي أقره مجلس النواب والنص المنشور لاحقاً في الجريدة الرسمية، إضافة إلى اعتراضات على عبارات يعتبرها الطاعنون واسعة أو غير قابلة للتطبيق بوضوح.
هذه ادعاءات قانونية قيد المراجعة.
المجلس الدستوري هو الجهة التي ستحدد ما إذا كانت المخالفات المدعى بها تستوجب إبطالاً كلياً أو جزئياً أو رفض الطعن.
طرابلس تحاول الانتقال من الوعود إلى المشاريع
اقتصادياً وإنمائياً، شهد السراي الكبير توقيع عقود ومذكرات تفاهم مرتبطة بتطوير طرابلس والشمال وعكار.
وقال سلام إن الهدف هو الانتقال من المشاريع المتأخرة إلى فرص جديدة للنمو والاستثمار، مستنداً إلى الموقع الجغرافي للمدينة ومرفئها وبنيتها اللوجستية.
الخطوة إيجابية كمؤشر على محاولة إعادة الملف الإنمائي إلى جدول الأعمال.
لكن تقييم أثرها يحتاج إلى متابعة التنفيذ: التمويل، المهل الزمنية والمشاريع التي ستنتقل فعلياً من الورق إلى الأرض.
الإقليم يضغط من إيران إلى اليمن
تقدم مقدمات الأخبار صورة إقليمية متوترة من إيران وسوريا إلى اليمن ومضيق هرمز، مع مخاوف من انعكاسات اقتصادية على النفط والتجارة.
كما حصل اتصال بين بري ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تناول التطورات في الجنوب والحرب الإقليمية. وبحسب بيان الخارجية الإيرانية، جددت طهران دعمها لحليفها اللبناني، فيما شكر بري إيران على دعمها للبنان.
ويعيد هذا الاتصال طرح السؤال المستمر حول قدرة لبنان على إبقاء ملف الجنوب منفصلاً عن المواجهات الإقليمية الأكبر.
خلاصة المشهد
يوم 16 أيلول لا يحمل تحولاً واحداً كبيراً، لكنه يجمع أربع عمليات تتحرك في وقت واحد.
في البرلمان، مساءلة الحكومة تثبت أن الخلاف حول السلاح والتفاوض أصبح في قلب السياسة الداخلية.
في زوطر، تختبر واشنطن ما إذا كان يمكن توسيع المناطق التجريبية وربطها بالإعمار.
في باريس، سيعرض لبنان حاجات الجيش، بينما لا تزال طبيعة الدعم وشروطه غير محسومة.
وفي القضاء، يقترب ملف المرفأ من القرار الاتهامي بعد سنوات من التعطيل.
الجامع بين هذه الملفات هو قدرة المؤسسات على التنفيذ.
فالحكومة تستطيع اتخاذ القرارات، لكن قيمتها تقاس بتطبيقها. والجيش يستطيع توسيع حضوره إذا حصل على القرار والقدرات. والمفاوضات لا تقاس بعدد الاجتماعات، بل بما إذا كانت تنتج انسحاباً وعودةً للأهالي.
المرحلة المقبلة ستختبر الدولة في أكثر من ساحة: تحت قبة البرلمان، على أرض الجنوب، في مؤتمر باريس، وأمام القضاء.



