
طوباوية الحويّك: لا تخلطوا القداسة بالسياسة
يوليو 25, 2026
لا دولة لبنانية مع الدويلة الإيرانية
يوليو 25, 2026الموجز الإعلامي اليومي | 25 تموز 2026
توزّع المشهد الإعلامي اللبناني بين حدثين حملا دلالات تتجاوز إطارهما المباشر: بدء دخول أهالي زوطر الغربية إلى بلدتهم بمواكبة الجيش اللبناني بعد الانسحاب الإسرائيلي، وتطويب البطريرك إلياس الحويك، أحد أبرز مهندسي قيام لبنان الكبير. وبين الجنوب والديمان، حضرت الدولة بوصفها عنوان المرحلة: دولة تستعيد أرضها وقرارها، وتستعيد في الوقت نفسه المعنى التاريخي والوطني لوجودها.
في زوطر الغربية، بدأت العودة تدريجياً وسط إجراءات أمنية وتنظيمية أشرف عليها الجيش، لكن المشهد كشف أن الدخول إلى البلدة لا يعني بعد عودة سكنية كاملة. فقد واجه الأهالي دماراً واسعاً، وأحياء غير آمنة، وطرقات مقفلة بالركام ومخلفات الحرب، فيما أكد رئيس البلدية استمرار الفرق الهندسية في رفع الأنقاض وإزالة الأجسام غير المنفجرة. كما بقي الوجود الإسرائيلي عند أطراف زوطر الشرقية ظاهراً، ما يجعل تثبيت العودة مرتبطاً باستكمال الانسحاب وامتلاك الجيش المعدات اللازمة لتوسيع انتشاره.
ورأت «الجمهورية» أن زوطر تمثل أول مشهد متكامل لاختبار صيغة الإطار: انسحاب إسرائيلي، انتشار للجيش، ودخول للأهالي، لكن النجاح لا يُقاس بالصورة وحدها، بل بقدرة الدولة على نزع الألغام، وإعادة الخدمات، وتأمين الإعمار ومقومات البقاء. وإذا نجح هذا النموذج، يمكن الانتقال إلى قرى أخرى، أما تعثره فسيفتح الباب مجدداً أمام الذرائع الإسرائيلية والانقسام الداخلي.
في المقابل، قدمت «الأخبار» قراءة معاكسة، معتبرة أن القيود المفروضة على حركة الأهالي والتفتيش وتحديد مسارات الدخول أظهرت الجيش وكأنه موضوع بين الناس والاحتلال. وقد عكست هذه المقاربة استمرار المعركة الإعلامية والسياسية حول تفسير ما يجري في الجنوب: هل هو بداية فعلية لاستعادة الدولة سلطتها، أم تنفيذ بطيء ومشروط لا يضمن بعد انسحاباً كاملاً وعودة حرة للسكان؟
وميدانياً، استمرت الاعتداءات الإسرائيلية في عدد من مناطق الجنوب، وسُجل استهداف سيارة إسعاف في النبطية الفوقا وإصابة مسعفين، إلى جانب عمليات نسف وتفجير وقصف في حداثا والطيري وكونين والخيام ومجدل زون ومركبا وكفرتبنيت والطيبة ودير سريان، فضلاً عن استمرار حركة الطيران المسيّر فوق بيروت والضاحية والجبل. هذا الواقع أبقى الفارق كبيراً بين بداية المسار في زوطر وبين الوصول إلى استقرار شامل في الجنوب.
سياسياً، شدد رئيس الجمهورية جوزاف عون على أن الوقت حان لإنهاء الحرب نهائياً، وربط ذلك بالنمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات واستكمال الإصلاحات. كما عرض مع رئيس الحكومة نواف سالم نتائج لقاءاته في واشنطن، مؤكداً التزام الولايات المتحدة دعم الجيش والمساعدة في تنفيذ صيغة الإطار، انطلاقاً من الموقف اللبناني المطالب بانسحاب إسرائيلي كامل حتى الحدود الجنوبية.
بدوره، أطلع سالم رئيس الجمهورية على زيارته إلى زوطر الغربية والخطوات المطلوبة لتأمين حاجات الأهالي وتثبيتهم في أرضهم وحماية أرزاقهم. وتناول اللقاء أيضاً زيارة سالم المرتقبة إلى العراق، حيث يُنتظر أن يبحث ملفات العلاقات الثنائية والطاقة والفيول والتعاون الاقتصادي.
وفي ملف القوات الدولية، أكد عون أن بقاء «اليونيفيل» هو الخيار الأمثل لمواكبة المرحلة المقبلة، داعياً، في حال تعذر تمديد مهمتها، إلى إنشاء قوة بديلة تساعد الجيش في إزالة الذخائر غير المنفجرة وتأمين المناطق الجنوبية. وقد طلب من دول الاتحاد الأوروبي دعم هذا التوجه، فيما عبّر الأوروبيون عن دعمهم للاستقرار والإصلاح، وعن رغبتهم في الاحتفاظ بدور فاعل في الترتيبات المقبلة.
وتزامن هذا الموقف مع لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووليد جنبلاط في الإليزيه، حيث جرى البحث في تطورات لبنان وسوريا والجنوب. وأعرب جنبلاط عن أسفه لاستبعاد فرنسا من المسار التفاوضي، داعياً إلى إشراك باريس في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالجنوب أو بالقوة الدولية.
وفي المقابل، تحدثت تقارير عن قلق أوروبي من الاستفراد الأميركي بالملف اللبناني، ومن احتمال أن يتحول الدور الأوروبي إلى مجرد تمويل ودعم تقني، من دون مشاركة فعلية في القرارات السياسية والأمنية. كما برزت مخاوف من استمرار التعنت الإسرائيلي، ومن إعادة ربط الساحة اللبنانية بأي مواجهة جديدة بين واشنطن وطهران.
وعلى المستوى الداخلي، ظهرت تباينات لافتة داخل المواقف الدينية الشيعية. فقد هاجم الشيخ أحمد قبلان المسار الرئاسي ورفض أي مساس بالسلاح، بينما اتخذ الشيخ علي الخطيب موقفاً أقل تصعيداً، أبدى فيه الرغبة في نجاح الدولة ودعم الجيش، وطالب بانسحاب كامل وعودة الأهالي وإعادة الإعمار. أما السيد علي فضل الله فرحب بانتشار الجيش وحقه في بسط سلطته، محذراً من تحويل الخلاف السياسي إلى انقسام داخلي. وأظهرت هذه التباينات إمكان بناء مساحة مشتركة حول الجيش والانسحاب وعودة السكان، رغم استمرار الخلاف على الاتفاق والسلاح.
كما دعم الرئيس فؤاد السنيورة المسار الرئاسي، معتبراً أن زيارة واشنطن فرصة لتحقيق الانسحاب وتعزيز الجيش واستعادة الدولة سلطتها الحصرية. لكنه شدد على ضرورة وجود جدول واضح للانسحاب، ومرجعية صريحة للقرار 1701 واتفاق الهدنة، مختصراً شروط النجاح بالحزم في السيادة، والحكمة في الحوار، والحنكة في التفاوض.
وفي قراءة لمسار «المناطق التجريبية»، اعتبرت «الشرق الأوسط» أن زوطر الغربية وفرون وصريفا تشكل اختباراً دولياً لبناء الثقة بقدرة الدولة اللبنانية. ولفتت إلى أن نجاح المرحلة الأولى سيحدد إمكان توسيعها بالتزامن مع الجولة المقبلة في روما، على أن يسير الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش وحصر السلاح وإعادة الإعمار في مسارات متوازية لا تسمح لأي طرف بتعطيل التنفيذ.
وشدد النائب إبراهيم منيمنة على ضرورة وضع جدول زمني سريع ومنطقي، لأن إطالة المهل قد تسمح لإسرائيل بتكريس الاحتلال وتمنح الحزب فرصة للتشكيك بالمسار. أما النائب فادي كرم فاعتبر التجربة اختباراً مزدوجاً للدولة والمجتمع الدولي، مؤكداً أن الجيش قادر على النجاح شرط وجود قرار سياسي يحميه، وضغط أميركي يمنع العرقلة الإسرائيلية، ودعم مستمر لقدرات المؤسسة العسكرية.
كذلك ربطت تحليلات أخرى مصير المرحلة الثانية بزيارة قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إلى بيروت، وبتقييم ما أنجزه الفريق الأميركي والجيش في المنطقة الأولى. ومن المتوقع أن تحمل جولة روما في 4 آب أجوبة أولية حول القرى التي قد تشملها المرحلة التالية، ومدى استعداد إسرائيل للانسحاب، وقدرة لبنان على تثبيت حصرية الوجود العسكري الرسمي.
أما الحدث الأبرز روحياً ووطنياً، فكان تطويب البطريرك إلياس الحويك في الديمان، بحضور رسمي وكنسي وشعبي واسع. وقد ركزت الصحف على البعد المزدوج للحدث: تطويب رجل كنيسة، وتكريم شخصية كان لها دور أساسي في قيام دولة لبنان الكبير والدفاع عن استقلال قرارها. واعتُبر الحدث رسالة رجاء في لحظة وطنية صعبة، وتذكيراً بأن حماية لبنان لا تكون بتعدد السلطات داخله، بل بدولة تحفظ تنوعه وتمنح أبناءها سبباً للبقاء فيها.
وفي هذا السياق، ربطت «نداء الوطن» بين التطويب وعودة أهالي زوطر، معتبرة أن لبنان يعيش لحظة تستعيد فيها الجمهورية معناها السياسي والروحي معاً: أرض تعود إلى أهلها، ودولة تستعيد سلطتها، وشخصية تاريخية يُكرّم دورها في تأسيس الكيان.
اقتصادياً ومعيشياً، أقر وزير الاقتصاد عامر البساط بوجود صدمة تضخمية انعكست ارتفاعاً في الأسعار، معلناً تنفيذ نحو 11 ألف كشف ميداني وتنظيم قرابة 650 محضراً منذ بداية السنة، مع إحالة مخالفات إلى القضاء وإقفال محال ومصادرة بضائع. ودعا المواطنين إلى المشاركة في الرقابة والإبلاغ عن حالات الاستغلال.
وفي قطاع الكهرباء، أعلنت نقابة عمال ومستخدمي مؤسسة كهرباء لبنان إضراباً تحذيرياً يومي 27 و28 تموز، اعتراضاً على عدم إشراكها في مناقشة خطة فصل أنشطة المؤسسة وإعادة هيكلتها، مع التأكيد على استمرار تشغيل معامل الإنتاج ومحطات التحويل والأعمال المرتبطة بالسلامة العامة.
كما استمر السجال السياسي حول مسؤولية تدهور التغذية الكهربائية، فيما اتجه الاهتمام إلى زيارة رئيس الحكومة للعراق، وإمكان البحث في توفير الفيول وتعزيز التعاون في ملفات الطاقة، بالتوازي مع فتح قنوات اقتصادية مع سوريا تشمل الكهرباء والغاز والمرافئ والبناء والخدمات.
وفي ملف العفو العام، تناولت «نداء الوطن» التحول الذي أحدثه تبني «القوات اللبنانية» قضية الموقوفين الإسلاميين ورفض تمرير صيغة مجتزأة للقانون. ورأت أن هذا الموقف منح القضية بعداً مسيحياً ووطنياً، ودفع نحو حراك نيابي وحكومي لصياغة قانون واضح يمنع الاستنسابية ويعالج الملفات المركبة والمحاكمات الطويلة.
وفي ملف داخلي آخر، عاد اغتيال رمزي عيراني إلى الواجهة بعد مطالبة سمير جعجع النيابة العامة التمييزية بإعادة فتح التحقيق، استناداً إلى معطيات وردت في مقابلة العميد المتقاعد شارل عطا، اعتُبرت جديدة وتستوجب إعادة النظر في الملف الذي أُقفل خلال مرحلة الوصاية السورية.
إقليمياً، بقي التصعيد الأميركي–الإيراني في صدارة الاهتمام، بالتزامن مع زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن. وأشارت التقارير إلى أنه سيطلب موافقة أميركية على توجيه ضربات داخل إيران، بينما لم يحسم ترامب قراره، وسط ترجيحات بأن يواصل الضغط والضربات الأميركية قبل إعطاء إسرائيل ضوءاً أخضر لأي عملية أوسع.
وفي تحليل لاحتمال إعادة فتح الجبهة اللبنانية، رأت «الجمهورية» أن الحزب يواجه معادلة شديدة الخطورة: الانخراط في حرب جديدة دفاعاً عن إيران قد يؤدي إلى خسارة ما تبقى من قدراته وإلى مواجهة مع الداخل اللبناني، بينما يمنحه التريث فرصة للحفاظ على حضوره. وأشارت إلى وجود مقاربتين داخل طهران: إحداهما تريد تحريك الساحات لتخفيف الضغط عن إيران، والثانية تفضّل الاحتفاظ بالورقة اللبنانية لمرحلة ما بعد التسويات.
كما تناولت إحدى الدراسات الاتفاق النووي المدني الأميركي–السعودي، معتبرة أنه يمنح الرياض فرصة لتنويع مصادر الطاقة وتقليل استهلاك النفط محلياً، لكنه يثير مخاوف مرتبطة بالتخصيب والتوازن الإقليمي والموقف الإسرائيلي. وخلصت إلى أن السعودية عززت موقعها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات جيوسياسية مقبلة.
خلاصة المشهد
يحمل يوم 25 تموز صورتين متكاملتين: أهالي يعودون إلى أرض مدمرة تحت راية الجيش، وبطريرك مؤسس للبنان الكبير يُرفع إلى مصاف الطوباويين. وبين الصورتين، يظهر الامتحان الحقيقي للدولة: أن تحول عودة زوطر من زيارة مؤقتة إلى استقرار دائم، وأن تجعل من إرث الحويك مشروع دولة لا مجرد ذكرى تاريخية.
نجاح المرحلة لن يُقاس بالاحتفالات أو الوعود، بل بانسحاب إسرائيلي متواصل، وانتشار كامل للجيش، وعودة الأهالي، وإعمار القرى، وإنهاء خطر جر لبنان مجدداً إلى حروب الآخرين.




