الجنوب… التعطيل اللبناني ورقة بيد إسرائيل

تعطيل المفاوضات في الجنوب اللبناني وتأثيره على الانسحاب الإسرائيلي واستعادة سيادة الدولة
جوزيف بوهيا

ليست الحرب وحدها ما تُفقد لبنان أرضه، بل الفراغ التفاوضي الذي يمنح الوقت الكافي لتثبيت ما انتزعته القوة. في الجنوب، لا ينتظر الاحتلال التوافق اللبناني، ولا يتجمّد الميدان مع تأجيل المفاوضات. وكل تأخير في تحويل الالتزامات إلى أفعال يجعل استعادة الأرض أصعب، ويمنح إسرائيل فرصة تحويل الوقائع المؤقتة إلى شروط دائمة.

حزب الله يتذرّع بالاحتلال للاحتفاظ بسلاحه، وإسرائيل تتذرّع بالسلاح للاحتفاظ بالأرض. وبينهما دولة يُطلب منها انتظار تراجع أحدهما. يصبح كل طرف ذريعة لاستمرار الآخر، وتدفع السيادة ثمن الحلقة كاملة. كسرها يبدأ بتنفيذ الدولة ما تستطيع، والتفاوض على ما يجب انتزاعه.

المعلن أميركياً هو تأجيل جولة روما لاعتبارات لوجستية، لكن الوقائع تكشف أن التأجيل جاء بقرار لبناني لا بفرض من واشنطن أو تل أبيب. وما يُعرض كخطوة رادعة هو في جوهره تنازل عن الأداة الوحيدة القادرة على تحويل الالتزامات إلى انسحاب: فكل يوم يتعطّل فيه المسار يُبقي إسرائيل ممسكة بالميدان دون أي التزام مقابل، بينما يخسر لبنان القدرة على المطالبة بثمن لكل تأخير. توقّف الدولة عن التفاوض لا يوقف الاحتلال ولا يردع الاعتداءات؛ إنه يمنح الطرف الأقوى وقتاً إضافياً يستثمره بلا رقيب.

ومن هذه الزاوية تُقرأ مقالة مستشار الرئيس جان عزيز المنشورة في 16 أيلول. حذّر من أن استمرار الاحتلال يقوّي رواية الحزب، وطالب واشنطن بتحريك الانسحاب ودعم الدولة. هذه حجة تستحق الجواب، لكنها لا تلغي السؤال المقابل: ماذا أنجزت الدولة ضد البنية العسكرية للحزب في المناطق التي تستطيع الوصول إليها؟ تعذّر السيطرة على الأرض المحتلة لا يبرّر تأجيل السيطرة على الأرض المتاحة، وطلب الانسحاب من واشنطن لا يعفي بيروت من تنفيذ ما يقع ضمن سلطتها.

وفي 21 أيلول، أعلنت الرئاسة رسالة ترامب المشيدة بقيادة عون والتزام مسار السلام. الرسالة تمنح الرئيس غطاءً يحمّله مسؤولية استخدامه: فإذا استُثمرت لدفع التفاوض وتنفيذ الالتزامات، عزّزت موقع لبنان في المطالبة بالانسحاب؛ وإذا قابلها مزيد من المراوحة، تحوّل الرصيد الشخصي إلى اختبار لقدرة الرئيس على الوفاء بما التزمه، وقد يتحول الرصيد الذي يحميه اليوم إلى ضغط عليه غداً.

وللمسار أساس واضح. ففي البيان الثلاثي السابق للاتفاق، أكّدت واشنطن موقف روبيو القائل إن حزب الله عدوّ لإسرائيل وأميركا ولبنان. أما اتفاق الإطار فألزم الحكومة بنزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة وإنهاء أدوارها وقدراتها العسكرية والأمنية. إعادة أصل الالتزام إلى حوار مفتوح تمنح المعترض داخلياً سلطة تعطيل ما تعهّدت به الدولة خارجياً.

السيادة لا تُستعاد بتوقيع لا يستطيع صاحبه تنفيذه.

ولهذا تُقاس مهمة الجيش بما ينهيه من قدرة المنظومة المسلحة. أقام حواجز، ونفّذ دوريات، وضبط راجمات وصواريخ ومسيّرات في المناطق النموذجية؛ والاختبار الآن تعطيل الأنفاق، ومصادرة المخازن، وقطع الإمداد، ومنع إعادة التمركز. وعلى الحكومة توفير الغطاء التنفيذي ومحاسبة النتائج، فلا تكلّفه بحصرية السلاح ثم تتركه يفاوض على حدود مهمته. وجود الجنود لا يصنع سيطرة كاملة إذا بقي قرار عسكري موازٍ، والخشية من الصدام لا تصلح سياسة دائمة تتيح لإسرائيل مواصلة تدخلها.

ولا تحتاج إسرائيل إلى اجتياح شامل كي تستثمر هذا الوضع. فالتقارير عن خفض قواتها من ثمانية ألوية إلى ستة تسمح بقراءة أخرى: تقليل كلفة الانتشار مع إبقاء المواقع وحرية التدخل. تقليص القوات لا يساوي تقليص الأهداف. وما تفرضه إسرائيل اليوم بالقوة، قد تطالب غداً بأن ينتزعه لبنان منها بالتفاوض. وكل يوم يبقى فيه المسار معلّقاً يمنحها وقتاً لتثبيت الوقائع.

أما انتخابات 27 تشرين الأول فقد تؤثر في توقيت العمليات وتسويقها. عدم ضمان نتنياهو أكثرية في الاستطلاعات لا يثبت حاجته إلى حرب واسعة؛ فقد يخدمه إنجاز محدود ويتجنب استنزافاً مكلفاً. والأخطر أن تتحول حرية التدخل إلى سياسة تتجاوز الانتخابات، فتتكرر الضربات بينما ينتظر لبنان تبدّل الحسابات الإسرائيلية.

وتبقى واشنطن عامل التأثير الحاسم. فإذا رأت بيروت تعيد فتح التزاماتها أو تماطل في تنفيذها، فقد ينتقل دعم ترامب من غطاء سياسي إلى ضغط، ويتراجع استعداد الإدارة لكبح إسرائيل. لا توجد عقوبة معلنة، لكن اتفاق الإطار يربط المساعدة الأميركية الجديدة بنتائج قابلة للتحقق. وثمن التعطيل قد يكون تضييق الدعم، وتأخر التعافي، واتساع هامش الحركة الإسرائيلي؛ وهي كلفة لا يحتملها لبنان.

لا يضمن التنفيذ اللبناني امتثال إسرائيل، ولا يعفيها من مسؤولية الاحتلال والاعتداءات. لكنه يقوّض حجتها بشأن غياب البديل الأمني اللبناني، ويضع الوسيط أمام مسؤولية انتزاع المقابل وفق جدول متبادل وخطوات موثّقة. فلا يصبح التحقق من نزع السلاح ذريعة لتأجيل الانسحاب إلى أجل غير مسمّى، ولا يتحول الاحتلال إلى عذر دائم.

المطلوب أن تستعيد الدولة المبادرة: تنفّذ حيث تستطيع، وتفاوض حيث يلزم، وتطالب واشنطن بانسحاب إسرائيلي مقابل كل تقدّم موثّق. أما أن تحتفظ الدولة بالتوقيع، ويحتفظ الحزب بالسلاح، وتنفرد إسرائيل بتحديد موعد انسحابها وشروطه، فذلك يحوّل الاتفاق من طريق لاستعادة السيادة إلى غطاء لتأجيلها. الدولة التي تؤجل التفاوض لا توقف الاحتلال؛ إنها تترك للطرف الأقوى أن يكتب شروط العودة. التعطيل يمنح الحزب وقتاً لحماية سلاحه، وإسرائيل وقتاً لتثبيت احتلالها؛ وحده لبنان يدفع من أرضه وأمنه ثمن الوقت الذي منحه للطرفين.