انتصرت الكلمة على السلاح، لكن العدالة لم تنتصر بعد.

واحد وعشرون عامًا مرّت على محاولة اغتيال مي شدياق.
وفي كل 25 أيلول، نستعيد العبوة، الجسد الذي مزّقته، اليد والساق اللتين فقدتهما، العمليات الجراحية، رحلة العلاج، ثم العودة إلى الشاشة والحياة العامة.
لكن بعد واحد وعشرين عامًا، ربما حان الوقت لطرح السؤال الذي لا يحتاج إلى مزيد من الذكريات:
مَن حاول اغتيال مي شدياق؟
ليس كيف وُضعت العبوة.
ولا أين وُضعت.
ولا ماذا فعل الانفجار بجسدها.
هذه أمور عرفها التحقيق منذ سنوات.
لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة درست محاولة اغتيال شدياق ضمن سلسلة الاعتداءات التي شهدها لبنان عام 2005. وخلص عملها التقني إلى أن العبوة ثُبّتت بواسطة مغناطيس أسفل هيكل سيارتها، مباشرة تحت مقعد السائق، وأن التفجير حصل بعد دخولها السيارة، ورجّحت أن يكون التفجير قد تم عن بُعد.
الأهم أن اللجنة لم تتعامل مع الجريمة باعتبارها مجرد انفجار منفصل.
قارنتها باغتيالي سمير قصير وجورج حاوي، ولاحظت أن العبوات في الحالات الثلاث وُضعت تحت سيارات الأشخاص المستهدفين، وأن طريقة التنفيذ تدل على استهداف دقيق يُرجّح أنه سبقه رصد لتحركات الضحايا وعاداتهم وترتيبات حمايتهم.
إذًا عرفنا الكثير عن كيف حاولوا قتل مي شدياق.
لكننا، بعد 21 عامًا، لا نملك حكمًا قضائيًا نهائيًا يقول لنا مَن فعل ذلك، ومَن خطّط، ومَن أعطى الأمر.
وهنا يجب أن تكون ذكرى 25 أيلول.
ليس المطلوب أن نبكي مي شدياق كل سنة.
مي لم تعد بحاجة إلى أن نخبرها بأنها نجت. هي تعرف أكثر من أي شخص آخر ثمن تلك النجاة.
وليس المطلوب أن نعيد للمرة الألف قصة الألم، وكأن محاولة الاغتيال أصبحت مجرد قصة إنسانية مؤثرة.
هناك جريمة. وهناك محاولة قتل. وهناك حقيقة قضائية لم تكتمل.
بعد ثلاثة أيام من الجريمة، رحّب مجلس الأمن بإعلان الحكومة اللبنانية عزمها على ملاحقة المنفذين والمنظمين والمحرّضين، ودعا الدول إلى مساعدة لبنان في التحقيق. والأمم المتحدة طالبت يومها بوضع حد للإفلات من العقاب. :
حتى الـFBI حضر إلى لبنان بطلب رسمي للمساعدة في التحقيق وفحص السيارة والأدلة.
مرت السنوات.
واستمرت مي.
لكن العدالة لم تصل إلى النهاية التي يفترض أن تصل إليها أي قضية محاولة اغتيال: معرفة المسؤولين ومحاسبتهم أمام القضاء.
وهذه ليست مسألة تخص مي شدياق وحدها.
لأن اغتيال صحافي أو محاولة اغتياله لا تستهدف جسده فقط. الرسالة موجهة إلى كل من يشاهد: هذه هي كلفة الكلام.
ولهذا تحديدًا، فإن كشف الفاعل ليس انتقامًا للضحية، بل حماية لحق المجتمع في ألا تصبح العبوة وسيلة لإدارة الخلاف السياسي.
في 2005 حاول أحدهم أن يحسم خلافه مع مي شدياق بعبوة تحت مقعدها.
بعد واحد وعشرين عامًا، بقيت مي شدياق.
وبقي صوتها وبقي اسمها.
أما الاسم الذي ما زال غائبًا، فهو اسم من وضع العبوة ومن أمر بوضعها.
وهنا تصبح العبارة التي تُقال اليوم أكثر دقة من أي احتفال:
انتصرت الكلمة على السلاح، لكن العدالة لم تنتصر بعد.
لأن الانتصار الكامل لا يكون فقط بأن تبقى الضحية حيّة.
بل بأن يُعرف القاتل قبل أن يصبح مجهولًا إلى الأبد.



