
ما الذي يجمع بين بيار الجميل ونبيه بري؟
يوليو 22, 2026
بالفيديو: ريفي تحالفنا مع “القوات” هو جزء من تحالف وطني أشمل
يوليو 22, 2026سبقت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن حملة سياسية وإعلامية قاسية، حاولت التشكيك في أهداف الزيارة ووضعها تحت مجهر التخوين قبل أن تبدأ. وذهب بعض المحسوبين على محور الممانعة إلى التحذير من نتائجها، فيما صوّرت صحف ومنابر قريبة من هذا المحور تحرّك عون كأنه تنازل مسبق للولايات المتحدة، لا محاولة لانتزاع انسحاب إسرائيلي ودعم للدولة والجيش.
ولم يكن التمهيد للزيارة هادئاً. فقد شنّت أوساط الممانعة هجوماً على عون عشية سفره، في محاولة واضحة لإضعاف موقعه قبل دخوله البيت الأبيض، فيما قابل النائب حسين الحاج حسن الزيارة بتشاؤم معلن، سائلاً بسخرية: «معقول تتلج بآب؟».
لكن المفارقة ظهرت من داخل المكتب البيضاوي.
فعندما تحدّث عون عن نبيه بري، لم يهاجمه ولم يضعه في موقع المعطّل، بل قدّمه أمام الرئيس الأميركي باعتباره رجلاً يريد إنهاء الحرب، يتألم لما يتعرّض له الجنوب، ويمكنه دعم التسوية مع مراعاة موقعه الرسمي والسياسي.
أما دونالد ترامب، «الشيطان الأكبر» في أدبيات الممانعة، فلم يكتفِ بالاستماع، بل وصف بري بأنه «شخص جيد»، وقال إنه سينضم إلى المسار عندما يرى تقدّماً فعلياً.
هنا كان يُفترض، وفق المعايير التي استخدمت ضد عون، أن تقوم القيامة.
كان يُفترض أن يخرج الزعيق نفسه، وأن تُرفع نبرة التحذير من التدخل الأميركي، وأن تُطرح الأسئلة عن سبب حديث رئيس أميركي عن موقف رئيس مجلس النواب اللبناني، أو عن معنى توقعه انضمام بري إلى المسار الذي ترعاه واشنطن.
لكن شيئاً من ذلك لم يحصل.
صحيح أن أصواتاً من الممانعة انتقدت القمة لاحقاً، ووصفت نتائجها بأنها غير كافية، واعترضت على بعض كلام ترامب. إلا أن الاعتراض المنشور تجنّب النقطة الأكثر حساسية: إشادة الرئيس الأميركي ببري، وتقديمه شريكاً محتملاً في المسار نفسه الذي تعرّض عون بسببه للتهديد والتخوين.
والأكثر دلالة أن بري لم يرفض كلام ترامب، بل تلقّفه بخفة سياسية قائلاً إن ترامب «يفهمه أكثر من بعض اللبنانيين»، قبل أن يربط موقفه بتحقيق وقف فعلي لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي ملموس.
فلماذا يصبح الحوار مع واشنطن خيانة عندما يقوم به رئيس الجمهورية، ويتحوّل إلى «فهم سياسي» عندما يشيد الرئيس الأميركي برئيس المجلس؟
ولماذا يُطلب من عون أن يثبت وطنيته قبل السفر وبعده، بينما تمرّ إشادة ترامب ببري بلا حملات ولا تهديدات ولا اتهامات؟
الجواب لا يرتبط بالسيادة ولا بـ«الشيطان الأكبر»، بل بمعيار سياسي مزدوج: أميركا عدو عندما تضغط على الممانعة، لكنها تصبح قابلة للفهم عندما تمنح أحد أركانها شهادة سياسية إيجابية.
وهكذا سقط الصخب عند أول امتحان.
فالذين رفعوا أصواتهم قبل سفر عون، لم يعترضوا على تدخل ترامب في رسم موقع بري داخل التسوية. والذين لوّحوا بما «سيُفعل» في حال عاد رئيس الجمهورية بما لا يعجبهم، لم يجدوا ما يقولونه عندما عاد بري نفسه بإشادة من الرجل الذي أمضوا سنوات في وصفه بعدو لبنان والمنطقة.
إنها ليست ازدواجية في الخطاب فقط، بل اعتراف ضمني بأن المشكلة لم تكن يوماً في التحدث إلى واشنطن، بل في هوية اللبناني الذي يتحدث إليها، وفي الجهة التي تستفيد من كلامها.




