هل تفجير “البيجر” جريمة حرب ؟

الراهب
ثمة طريقة شائعة في النظر إلى تفجيرات أجهزة البيجر في لبنان تختصر المسألة كلها في نتيجة واحدة: «سقط مدنيون، إذن نحن أمام جريمة حرب». لكن هذه الطريقة تتجاهل سؤالًا أكثر أهمية: من كان مستهدفًا أصلًا؟
فالبيجر لم يكن هاتفًا عشوائيًا وُزّع على المارة، ولا جهازًا يستخدمه المتعاطفون مع ميليشيا حزب الله لمجرد التعاطف. إذا صح أن الأجهزة كانت جزءًا من شبكة اتصالات خاصة بالتنظيم، وأن حيازتها كانت مرتبطة بأشخاص ناشطين داخله، فإن العملية لم تكن موجهة إلى جمهور سياسي، بل إلى بنية تنظيمية محددة.
وهنا ينبغي الحذر من الخلط بين أمرين: الإصابة المدنية غير المقصودة، واستهداف المدنيين. فوجود مدنيين بين ضحايا عملية عسكرية لا يجعل المدنيين هدفًا تلقائيًا. السؤال القانوني الحقيقي هو: هل كانوا الهدف، أم كانوا ضمن الخسائر العرضية لعملية استهدفت أشخاصًا اعتُبروا أهدافًا عسكرية؟
بل إن النقاش يصبح أكثر تعقيدًا حين نتذكر أن التنظيمات المسلحة لا تتكون من مقاتلين يحملون البنادق فقط. هناك الاتصالات، والاستخبارات، والقيادة، والتمويل، والإمداد، والتنظيم. لذلك فإن السؤال عن وظيفة الشخص داخل التنظيم قد يكون أهم من السؤال عما إذا كان يحمل سلاحًا في يده لحظة استهدافه.
ومن هنا تأتي المفارقة: قد يكون الشخص غير مقاتل بالمعنى الضيق، ومع ذلك يكون جزءًا من بنية تنظيمية مسؤولة عن أعمال قتالية. لكن هذا لا يعني تلقائيًا أن كل عضو في تنظيم مسلح يصبح هدفًا مشروعًا؛ فالقانون يضع تمييزات أدق من التصنيف السياسي أو الجنائي للتنظيم.
ولهذا ربما يكون السؤال الأكثر إنصافًا ليس: «هل قتل مدنيون؟» وإنما: «من كان الهدف، وكيف جرى تحديده، وما الذي كان معروفًا مسبقًا عن الأشخاص الذين حملوا هذه الأجهزة؟»
إذا كانت الإجابة أن العملية استهدفت بصورة محددة أشخاصًا مرتبطين بالبنية التشغيلية لحزب الله المصنف أصلا كجماعة إرهابية، وأن المدنيين الذين أصيبوا لم يكونوا هم المقصودين، فإن مجرد وقوع إصابات مدنية لا يكفي وحده لتحويل العملية إلى جريمة حرب.
أما إذا كان منفذو العملية يعلمون أن الأجهزة ستصل إلى أشخاص لا يمكن تحديد طبيعتهم، أو أنهم قبلوا مسبقًا بنتائج لا يمكن ضبطها، فهنا تبدأ المسألة القانونية الحقيقية.
وبذلك لا تكون القضية في النهاية اختبارًا للتعاطف مع ميليشيا حزب الله أو العداء له، بل اختبارًا لمعيار أكثر برودة: هل كانت العملية استهدافًا محددًا لبنية تنظيمية، أم تفجيرًا لا يمكن التحكم في نتائجه؟
وربما يكون من الخطأ أن نسمح للصور الصادمة للضحايا بأن تحسم وحدها سؤالًا قانونيًا بهذه الدقة.



