
رداً على كريم الراعي: قبل الحديث عن خيارات المسيحيين… لنتحدث عن الاحتلال
يوليو 20, 2026
بري والحزب… توزيع أدوار لا اختلاف خيارات: وجهان لمشروع واحد
يوليو 21, 2026شارل جبّور
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ومع إحكام النظام الأسدي قبضته على لبنان، لم يكن هناك مكان لأي تردد أو اعتراض. كان القرار واضحًا: إخضاع البلاد بالكامل لمنطق الوصاية، وإقصاء كل من يرفض هذا المنطق. لم تُراعَ التضحيات، ولم تُحترم الخيارات الوطنية، ولم يُكافأ من أمّن الانتقال من الحرب إلى السلم عبر اتفاق الطائف. بل على العكس، كان أول المستهدفين من تمسّك بالطائف كما أُقرّ، وبكل ما نص عليه من حلّ جميع الميليشيات، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وإنهاء الوجود العسكري الأسدي في لبنان.
دفعت “القوات اللبنانية” وحدها الثمن، لا لأنها حملت مشروعًا انقلابيًا، بل لأنها تمسكت بالدولة والدستور واتفاق الطائف. كان ذنبها الوحيد أنها رفضت الخضوع لمنطق القوة والوصاية. ولم يسأل عنها أحد، لأن مجرد السؤال كان كفيلاً بإخراج صاحبه من الحياة السياسية. ومن كان يتردد في تنفيذ أوامر الوصاية كان يُزاح بدوره، ليحل مكانه من ينفّذ بلا تردد.
أما اليوم، فإن المشهد انقلب بالكامل. الفريق الذي يقف في مواجهة الدولة ليس من يدافع عن الدستور والطائف، بل الحزب الإيراني في لبنان، الذي يرفض منطق الدولة، ويعطل الدستور، ويصادر القرار الوطني، ويقود البلاد من حرب إلى أخرى، ويحرم اللبنانيين من الأمن والاستقرار والازدهار.
ومع ذلك، لا تزال السلطة تتعامل معه بمنطق المسايرة والمداراة. تمنحه الوقت، وتقدم له التنازلات، وتتحمل الدولة واللبنانيون أكلاف مغامراته، فيما يبقى القرار الحاسم مؤجلًا، وكأن المطلوب استمرار هذا الواقع الشاذ إلى أجل غير مسمى.
الفارق بين الأمس واليوم جوهري. ففي التسعينيات، أُقصي فريق لأنه كان مع الدولة والدستور والسيادة. أما اليوم، فإن الفريق الذي ينبغي إنهاء هيمنته هو الفريق الذي يقف ضد الدولة والدستور والسيادة ومصلحة اللبنانيين.
والفارق الثاني أن سلطة الوصاية يومها كانت تحاسب كل من يمتنع عن تنفيذ قراراتها. فمن لا ينفّذ كان يُستبدل فوراً. أما اليوم، فإذا كانت الدولة قد اتخذت قرارها بحصر السلاح وبسط سلطتها الكاملة، فلا يجوز أن يبقى أي مسؤول يتردد في تنفيذ هذا القرار. ومن يرفض التنفيذ أو يعطله، يجب أن يترك موقعه لمن يمتلك الإرادة والقدرة على تطبيق القانون.
قد يكون كثيرون ممن نفذوا قرارات الإقصاء في التسعينيات فعلوا ذلك حفاظًا على مواقعهم وخدمةً للنظام الأسدي. أما من يعمل اليوم على إنهاء المشروع الإيراني في لبنان، فإنه لا يقدم خدمة لأي وصاية خارجية، بل يقدم خدمة للبنان، ولدولته، ولمستقبل شعبه، ولكل اللبنانيين، بمن فيهم أبناء الطائفة الشيعية الذين كانوا أول ضحايا مشروع صادر قرارهم وأدخلهم في حروب لا تخدم مصالحهم.
لهذا، فإن المعادلة التي يجب أن تحكم المرحلة واضحة: لا يكفي اتخاذ القرار، بل يجب تنفيذه. ومن يرفض تنفيذ قرارات الدولة أو يعرقلها، لا يجوز أن يبقى في موقع المسؤولية. فلا يمكن للبنان أن يخرج من دوامة الانهيار إذا بقيت الدولة مترددة في مواجهة من يهدمها، ومتساهلة مع من يضع نفسه فوقها. فإما دولة تطبق قراراتها على الجميع، وإما استمرار الفوضى والركام والانهيار.




