علي الطاهر: خمس عبر وثلاثة خيارات أمام الدولة

شارل جبّور
صوّر “الحزب الإيراني” في لبنان معركة علي الطاهر وكأنها ستكون “معركة المعارك”، وأن ما قبلها لن يكون كما بعدها، وأن المعارك التي انتصرت فيها إسرائيل في السابق لن تتكرر، وأن هذه المرة ستكون مختلفة. لكن علي الطاهر جاءت لتثبت العكس تمامًا. فالمعركة التي أُحيطت بكل هذا التهويل سقطت عسكريًا كما سقطت سواها، وانسحب منها مقاتلو “الحزب الإيراني” تحت ضغط الواقع العسكري، بعدما أصبح بقاؤهم فيها يعني تعريضهم لمصير محتوم. وما أُنجز في علي الطاهر لم يكن استثناءً، بل حلقة إضافية في مسار يتكرر من موقع إلى آخر: إسرائيل تتقدم، و”الحزب الإيراني” يتراجع.
أما التأخير في حسم المعركة، فلا ينبغي تفسيره بالقدرة العسكرية للحزب، أو باعتباره دليلًا على الصعوبات التي يواجهها الجيش الإسرائيلي، بل مردّه إلى الاعتبارات السياسية، وفي مقدمها الموقف الأميركي الذي لعب دورًا في توقيت العملية. وعسكريًا، جرى تطويق الموقع وإقفال منافذه ومداخله ومخارجه، بحيث بات من في داخله أمام خيارين: الخروج تحت الضغط أو مواجهة مصيرهم.
وقد أظهرت معركة علي الطاهر أنها أقل من عادية، ولا بد من استخلاص خمس عبر أساسية منها، ومن كل المعارك التي سبقتها وستليها.
أولًا، “الحزب الإيراني” انتهى عسكريًا.
الوقائع الميدانية المتراكمة أسقطت كل سردية القوة والردع والتوازن. فالحزب الذي كان يتحدث عن قدرته على منع إسرائيل من التقدم، وعن امتلاكه أوراقًا عسكرية نوعية، بات عاجزًا عن منعها من الانتقال من موقع إلى آخر. ولم يعد يملك، في مواجهة هذا الواقع، سوى البيانات والخطابات وانتظار الظروف السياسية التي قد توقف إسرائيل عن مواصلة عملياتها.
كان الأمين العام السابق للحزب يرفع شعار “ما بعد بعد حيفا”، وكانت الجماهير تهتف وتصفق. أما إسرائيل فأصبحت تنتقل عمليًا إلى ما بعد ما بعد قلعة شقيف، وما بعد ما بعد علي الطاهر، فيما يتراجع الحزب من موقع إلى آخر.
ثانيًا، “الحزب الإيراني” لن يتخلى عن سلاحه.
فمن يتمسك بسلاحه حتى على حساب بيئته التي احتضنته وادعى ويدّعي حمايتها، ومن يتمسك به وهو يعرف تمامًا أن استمرار الحرب يعني استمرار الموت والنزوح والدمار، وأن بقاء سلاحه يعني استمرار الوجود الإسرائيلي في مناطق لبنانية، وتأخر عودة الأهالي إلى قراهم، واتساع رقعة الدمار والنزوح، إنما يؤكد أن همه الأول هو الحفاظ على سلاحه مهما كانت الكلفة.
ثالثًا، من يراهن على أن الحزب سيسلّم سلاحه من تلقاء نفسه يخطئ في قراءة طبيعته.
من الواضح والثابت أن الهزيمة العسكرية التي مُني بها لن تدفعه إلى مراجعة خياراته والتخلي عن سلاحه. فهو متمسك به لأنه لا يعرف لنفسه دورًا من دونه، ولا يمتلك سردية سياسية بديلة عن سردية ما يسمى “المقاومة” والسلاح والمواجهة. ولذلك، فإن انتظار أن يستخلص الحزب بنفسه النتائج التي أفرزتها الحرب هو انتظار في غير محله، وسيكون طويلًا وغير واقعي. وحتى لو وصلت العمليات العسكرية إلى مناطق أوسع، فإن المشكلة لن تكون في وصول إسرائيل إلى هذه المنطقة أو تلك، بل في أن الحزب لا يزال يتصرف وكأن بقاء سلاحه هو الغاية، ولو كان ثمن ذلك استمرار معاناة بيئته ولبنان كله.
رابعًا، من يراهن على أن إسرائيل ستتوقف من تلقاء نفسها يخطئ أيضًا في قراءة إسرائيل.
منذ 8 تشرين الأول 2023، تغيّر الواقع الإسرائيلي جذريًا. إسرائيل لم تعد تتعامل مع الخطر بالطريقة التي كانت تتعامل بها قبل الحرب، ولا تبدو مستعدة لمنح خصم هُزم عسكريًا فرصة مجانية لإعادة بناء قدراته. ولهذا، فإن قراءة التطورات على قاعدة أن إسرائيل ستتعب وتتوقف، أو أن الزمن سيعيد إنتاج المعادلة السابقة، تبدو منفصلة عن الوقائع. المعادلة الجديدة واضحة: “الحزب الإيراني” يتراجع، وإسرائيل تتقدم، ولا مجال لإعادة إنتاج القوة العسكرية السابقة للحزب.
خامسًا، الدولة اللبنانية أمام استحقاق لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.
اختارت الدولة حتى الآن عدم الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الحزب، وهذا الخيار لم يعد قابلًا للتفهّم بعد الوقائع الميدانية الجلية، وعليها أن تكون أكثر جرأة في استخلاص النتائج. فإذا كانت المعادلة العسكرية قد سقطت، وإذا كان الحزب لا يريد تسليم سلاحه، وإذا كانت إسرائيل لا تريد السماح له بإعادة بناء قدراته، فإن إبقاء لبنان في حالة انتظار بين حرب مفتوحة وسلاح غير شرعي ونزوح مستمر ليس سياسة، بل استنزاف.
المطلوب، إذًا، ليس انتظار “المعركة الأخيرة”، ولا انتظار أن يقتنع الحزب بما لم يقتنع به طوال هذه المرحلة، بل الانتقال إلى معالجة أصل المشكلة: إنهاء ازدواجية السلاح ووضع كل السلاح تحت سلطة الدولة اللبنانية.
فلبنان لا يستطيع أن يدفع إلى ما لا نهاية ثمن قرار حزب واحد. ولا يجوز أن يبقى اللبنانيون، بمن فيهم أبناء البيئة الشيعية نفسها، رهائن لمشروع لا يريد التراجع، ولو كان ثمن تمسكه به تهجير أهله وتدمير قراهم وتعطيل قيام الدولة.
لا يمكن للبنان أن يبقى رهينة حزب يرفض أن يعترف بهزيمته. وإذا كان “الحزب الإيراني” مصرًّا على التمسك بخياره حتى النهاية، فليتحمل وحده مسؤولية هذا الخيار، لا أن يدفع لبنان كله ثمنه. وهذا يستدعي من الدولة اتخاذ خطوة أو أكثر من الخطوات التالية، أو جميعها، لوضع حد للموت المتواصل:
الأولى، أن تمهله مدة شهر لتسليم سلاحه وحل تنظيمه العسكري والأمني، على أن تنزعه الدولة بالقوة إذا لم يستجب.
الثانية، أن تذهب إلى السلام مع إسرائيل، فتفصل بين الواقع الميداني والواقع السلمي، وتفتح الباب أمام إنهاء حالة الحرب رسميًا.
الثالثة، أن تعلن بوضوح أن هذه الحرب لا تعني الدولة اللبنانية، وأنها ستتعامل معها باعتبارها حرب “الحزب الإيراني” وحده، وليتحمل مسؤوليتها، إذ لا يعقل، بعد كل ما حصل، أن يواصل تمسكه بسلاح يقتل اللبنانيين ويدمر قراهم ومنازلهم.
العبرة من كل ذلك لا يفترض أن تكون، بأي شكل من الأشكال، أن تصبح الدولة شريكة في معاناة اللبنانيين، ولا أن تواصل تغطية، بشكل أو بآخر، استمرار “الحزب الإيراني” في سردية تسقط كل يوم، ويسقط معها لبنانيون أبرياء، ويبقى لبنان مخطوفًا من إيران. لقد سقطت “معركة المعارك”، وسقط معها الوهم بأن السلاح الإيراني قادر على حماية نفسه. ويبقى السؤال: متى تُسقط الدولة آخر مبررات إبقاء هذا السلاح؟



